حقّ النفس ورباط العِشرة..

زواج يثقل بما لا يُحتمل

Picture of محمد الشرشابي

محمد الشرشابي

رجاء إعداد سيرة مهنية مختصرة لوضعها مع مقالات الكاتب
الزواج في أصله ميثاق يقوم على السكن والمودة، لا على القهر والإجبار، قال الله تعالى: "ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة". فإذا غاب السكن، وتبدلت المودة...
 حقّ النفس ورباط العِشرة.. زواج يثقل بما لا يُحتمل

 حقّ النفس ورباط العِشرة..

زواج يثقل بما لا يُحتمل

س
أنا امرأة مضى على زواجي أكثر من عشرين عاماً، وقد تم هذا الزواج دون رضاي، إذ خضعت لضغوط أهلي وقبلت به على كرهٍ مني. عشت سنوات طويلة أحاول التكيّف، لكن مع مرور الوقت لم تتبدل طباع زوجي، بل زادت صعوبة؛ فهو شديد البخل، سليط اللسان، يميل إلى الطمع حتى في مالي الخاص، ويأخذ مما أعطيه لأبنائي بدعوى أنه أولى به. وقد انعكس ذلك على الأبناء، فصاروا يحملون تجاهه مشاعر نفور تشبه ما في نفسي. اليوم لم أعد أطيق العيش معه، ولا أتحمل حتى مجرد اقترابه مني أو مشاركته الفراش، وقد طلبت الطلاق فرفض، فامتنعت عنه. وأنا الآن ممزقة بين أمرين: أن أستمر فأرهق نفسي نفسياً وجسدياً، أو أن أبتعد فأخشى أن أكون آثمة أو مقصّرة في حقه الشرعي. فما السبيل إلى الخروج من هذا الضيق بما يرضي الله ويحفظ كرامتي وسلامي النفسي؟
جــــ

ما تصفينه ليس مجرد ضيق عابر في حياة زوجية، بل هو تراكم طويل من الإكراه النفسي، وفقدان القبول، واستمرار المعاشرة على خلاف الفطرة والرضا.

ومثل هذا الحال يحتاج إلى نظرٍ متوازن يجمع بين حكم الشرع، وفهم النفس، وحفظ الكرامة الإنسانية.

أول ما ينبغي أن يُقرَّر أن الزواج في أصله ميثاق يقوم على السكن والمودة، لا على القهر والإجبار، قال الله تعالى: “ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة”. فإذا غاب السكن، وتبدلت المودة نفوراً دائماً، وتحولت الحياة إلى معاناة مستمرة، فإن هذا يخرج بالعلاقة عن مقصدها الأساسي.

أما من جهة الحكم الشرعي، فحق الزوج في المعاشرة حق معتبر، لكن هذا الحق ليس مطلقاً منفصلاً عن حال الزوجة النفسية والجسدية، فإذا بلغ النفور مبلغاً شديداً يجعل القرب مؤذياً للنفس، بل وربما مُمرِضاً للبدن، فإن المسألة تنتقل من دائرة “الامتناع المجرّد” إلى دائرة “الضرر المعتبر”. والقاعدة في الشريعة أن الضرر يزال، وأن الإنسان لا يُكلّف بما لا يطيق.

وليس من العدل أن تُحمّلي نفسك ذنباً كاملاً في علاقة لم تُبنَ أصلاً على رضاك، ثم استمرت على أوصاف تُثقِل القلب وتكسر النفس. بل إن بقاءك كل هذه السنوات، وصبرك على ما ذكرتِ، هو في ذاته جهد عظيم، وليس تقصيراً.

لكن في المقابل، لا ينبغي أن يتحول هذا الألم إلى قطيعة صامتة أو صراع خفي بلا محاولة إصلاح أو تسوية، فهناك مسارات مشروعة ينبغي سلوكها قبل الوصول إلى الانفصال الكامل:

أولها: السعي الجاد للإصلاح، لا بالكلام العابر، بل بمحاولة واضحة، إما عبر جلسة مصارحة هادئة، أو إدخال طرف حكيم من أهلك وأهله، ممن يُرجى فيهم العدل والرشد. فكثير من الأزواج لا يدركون عمق الأذى الذي يُحدثونه، إلا إذا وُضع أمامهم بصدق ووضوح.

ثانيها: إن تعذر الإصلاح، فلكِ أن تطلبي الخلع، وهو حق شرعي للمرأة إذا كرهت الحياة مع زوجها وخشيت ألا تقيم حدود الله. وليس في الخلع إثم، بل هو مخرج شرعه الله لرفع الحرج عن المرأة. وإذا رفض الزوج، فلكِ اللجوء إلى القضاء لطلب التفريق للضرر، خاصة مع وجود أوصاف كالإساءة اللفظية، والطمع في مالك، وغياب المعاشرة بالمعروف.

ثالثها: ما يتعلق بامتناعك عن المعاشرة، فهو أمر يُنظر فيه بميزان دقيق؛ فإن كان الامتناع بدافع الأذى الحقيقي والضرر النفسي، لا لمجرد العناد أو العقوبة، فإن حالك يُعذر فيه إلى حد كبير، لكن لا ينبغي أن يطول هذا الوضع دون سعي لحل نهائي، لأن التعليق بين حالين يزيد الألم ولا يرفعه.

أما شعورك بتأنيب الضمير، فهو في جانب منه دليل على حياة قلبك وحرصك على رضا الله، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى سوط يجلدك ظلماً. فالله سبحانه لا يريد لعباده العنت، ولا يرضى لهم حياةً تُهدر فيها كرامتهم وتُستنزف فيها نفوسهم.

ومن الجانب النفسي، فإن ما تعيشينه هو نتيجة طبيعية لسنوات من الكبت وغياب القبول، وقد بلغ الأمر حد النفور الجسدي، وهو من أقوى المؤشرات على أن النفس لم تعد تحتمل الاستمرار بنفس الصورة. والاستمرار القسري في هذه الحال قد يورث أمراضاً نفسية أعمق، بل ويؤثر على أبنائك بصورة غير مباشرة.

والنصيحة لك أن تنتقلي من حالة التردد إلى وضوح القرار، لا باندفاع، بل ببصيرة: إما محاولة إصلاح حقيقية أخيرة بشروط واضحة تحفظ كرامتك، وإما سلوك الطريق الشرعي للخلاص، دون شعور بالإثم ما دمتِ تطلبين حقاً مشروعاً وتدفعين ضرراً واقعاً.

ولا تنسي أن تستعيني بالله، وتكثري من الدعاء بأن يختار لك الخير حيث كان، وأن يشرح صدرك للقرار الذي فيه راحتك في دينك ودنياك.

 

ذات صلة
سن التقاعد..
بلوغ سن الستين ليس نهاية العطاء، بل قد يكون بداية أجمل رحلة مع الله، فالتقاعد فرصة ثمينة لملء الحياة...
المزيد »
الرحمة بين الزوجين
الرحمة ليست مجرد قيمة أخلاقية، بل هي مفتاح رئيسي للسعادة الزوجية والاستقرار الأسري، فكلما تحلى الزوجان...
المزيد »
التدليل المفرط من الأجداد
يبقى دور الأجداد مهما في حياة الأحفاد، لكن الاعتدال هو الأساس في التربية السليمة، فالتوازن بين الحب والتوجيه...
المزيد »
إفشاء الرجل أسرار الحياة الزوجية
الحفاظ على أسرار الحياة الزوجية ضرورة أساسية لضمان استقرار الأسرة واستمرار الثقة بين الزوجين. فالرجل...
المزيد »
المرأة العاملة بين النجاح المهني والاستقرار الأسري
تؤدي المرأة العاملة دورا مهما في بناء المجتمع من خلال مشاركتها الفعالة في مختلف مجالات العمل، إلى جانب...
المزيد »
كيف تواجه الأسرة الآثار السلبية للألعاب الإلكترونية على الشباب؟
أصبحت الألعاب الإلكترونية جزءا كبيرا من حياة كثير من الشباب في العصر الحديث، نظرا للتطور التكنولوجي وسهولة...
المزيد »
تربية الطفل بالتحفيز والإثابة أساس بناء شخصية قوية ومتوازنة
تربية الطفل من أهم مسؤوليات الأسرة، لأنها تشكل الأساس الذي تبنى عليه شخصيته مستقبلًا. ومن أفضل الأساليب...
المزيد »
الرائحة الطيبة في المنزل تعزز المحبة وتنشر السعادة الأسرية
انتشار الرائحة الطيبة في المنزل من العوامل المهمة التي تؤثر بشكل مباشر على الحالة النفسية لأفراد الأسرة،...
المزيد »
شجار الأبناء بين الأخطاء التربوية والحلول الإسلامية
شجار الأبناء ليس مشكلة مستعصية إذا أُحسن التعامل معه تربويا ودينيا، فالأسرة التي تبني أبناءها على العدل،...
المزيد »
حية تخيط جراحها.. فتنة الانبهار وخطر التعافي
"الحية" في أصل التأويل ترمز غالباً إلى عدو أو خطر كامن، وقد تكون دلالة على فتنة أو معصية أو أمر يُخشى...
المزيد »
بين برّ الراحلين ونداء الضمير.. رؤيا الوليمة وغضب الأب
ظهور الوالد المتوفى في حال انشغالٍ بإعداد وليمة، هو في غالب دلالاته رمزٌ للخير الجاري والعمل الصالح،...
المزيد »
حياة الزوجين بعد المولود الأول..
بعد ولادة الطفل، قد يشعر كل من الزوجين بتقلبات نفسية نتيجة قلة النوم وزيادة المسؤوليات، الأم قد تعاني...
المزيد »
بالحكمة والرحمة..
عندما تمر الزوجة بوعكة صحية، سواء كانت عارضة أو مزمنة، فإن دور الزوج يصبح أساسيا في دعمها نفسيا وجسديا،...
المزيد »
الغيرة المفرطة وآثارها السلبية على علاقات المرأة بصديقاتها
الغيرة قد تدفع إلى سلوكيات سلبية مثل الغيبة أو التقليل من شأن الآخرين، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على سمعة...
المزيد »
دور تعاليم الإسلام في حماية الشباب من خطر الإدمان
يعتمد الإسلام على بناء الضمير الحي داخل الإنسان، من خلال الإيمان بالله ومراقبته في السر والعلن. فالشاب...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك