“من تعار من الليل”..

حين يوقظ الله قلبك قبل أن تستيقظ عيناك

يبقى للروح يقظة في لحظات الليل الساكن لا تشبه يقظة النهار ، في تلك الأثناء التي يتقلب فيها النائم على فراشه، قد يمرّ نور خفيف، كأنما يدٌ رحيمة تربت على قلبه لتدعوه إلى ذكرٍ يفتح...
"من تعار من الليل".. حين يوقظ الله قلبك قبل أن تستيقظ عيناك

“من تعار من الليل”..

حين يوقظ الله قلبك قبل أن تستيقظ عيناك

يبقى للروح يقظة في لحظات الليل الساكن لا تشبه يقظة النهار ، في تلك الأثناء التي يتقلب فيها النائم على فراشه، قد يمرّ نور خفيف، كأنما يدٌ رحيمة تربت على قلبه لتدعوه إلى ذكرٍ يفتح له بابًا من السماء.

إنها سنة ” من تعار من الليل”؛ سنة مهجورة رغم أنها تحمل من الفضل ما يجعلها من أعظم أبواب القرب. حديث واحد، لكنه يختصر عالمًا من الرحمة، ويعيد للإنسان علاقته الأولى بربه، علاقة لا تحتاج إلى جهد كبير، بل إلى قلب يستجيب حين يُنادى.

فقد ورد في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله:  “مَن تَعَارَّ مِنَ اللَّيْلِ فقال: لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، له الملكُ وله الحمدُ وهو على كلِّ شيءٍ قديرٌ، سبحان اللهِ، والحمدُ للهِ، ولا إلهَ إلا اللهُ، واللهُ أكبرُ، ولا حولَ ولا قوةَ إلا باللهِ، ثم قال: اللهم اغفر لي، أو دعا، استُجيب له، فإن توضأ وصلّى قُبلت صلاته”.

والتعار ليس استيقاظًا كاملًا، بل حركة خفيفة، انتقال بين النوم والوعي، كأن الروح تلتفت فجأة إلى ربها. هذه اللحظة العابرة التي قد لا تتجاوز ثوانٍ جعلها الشرع بابًا من أبواب الذكر المستجاب، وكأن الله يفتح لعبده نافذة صغيرة في الليل، فإن استجاب لها، وجد من الرحمة ما لا يجده في ساعات النهار الطويلة.

سنة مهجورة لكنها تحمل كنوزًا من الفضل

رغم عظمة هذا الحديث، إلا أن سنة تعار من الليل تكاد تكون غائبة عن كثير من المسلمين. ربما لأن الناس اعتادوا أن العبادة تحتاج إلى استعداد كامل، أو لأنهم يظنون أن القرب لا يكون إلا في قيام طويل أو دعاء ممتد. لكن هذا الحديث يعيد ترتيب المفاهيم، ويؤكد أن لحظة صدق واحدة قد تفتح للإنسان أبوابًا لا تُفتح بغيرها. إن الذكر في تلك اللحظة ليس مجرد كلمات، بل هو إعلان بأن القلب ما زال حيًا، وأن الروح ما زالت قادرة على الالتفات إلى ربها حتى في أضعف حالات الجسد.

أثر هذه السنة في تهذيب النفس وتقوية الصلة بالله

من يتأمل هذه السنة يدرك أنها ليست مجرد ذكر، بل هي تربية روحية عميقة. فالإنسان حين يستيقظ من نومه يكون أقرب إلى الفطرة، أبعد عن شواغل الدنيا، أنقى في مشاعره، وأصدق في توجهه. فإذا نطق بالذكر في تلك اللحظة، انفتحت له أبواب السكينة، وشعر بأن الله قريب منه قربًا لا يُوصف. ومع تكرار هذه السنة، يتشكل في النفس شعور دائم بالمراقبة، ويصبح الليل صديقًا لا وحشة فيه، بل زمنًا للطمأنينة. كما أن الدعاء في تلك اللحظة يحمل قوة خاصة، لأنه يخرج من قلب خالٍ من الرياء، ومن روح لا يشغلها شيء سوى طلب الرحمة.

إحياء سنة التعار… عودة إلى صفاء الليل

إحياء هذه السنة ليس أمرًا معقدًا، بل هو قرار داخلي بأن يمنح الإنسان قلبه فرصة للعودة إلى الله في لحظة من لحظات الليل. يكفي أن يتذكر الذكر الوارد، وأن يستشعر معناه، وأن يدرك أن الله يفتح له بابًا لا يُفتح لكل أحد. ومع الوقت، يتحول هذا الذكر إلى عادة، ثم إلى أنس، ثم إلى نور يرافق الإنسان في يومه كله. وهكذا تصبح سنة تعار من الليل جسرًا بين القلب وربه، وجزءًا من حياة روحية لا تنقطع.

روابط وكلمات مفتاحية
السابق
التالي
ذات صلة
قصة النبي مع أم معبد الخزاعية..
في طريق هجرة النبي ﷺ من مكة إلى المدينة، مر هو وصاحبه أبو بكر الصديق بخيمة أم معبد الخزاعية، وكانت امرأة...
المزيد »
محمد التهامي..
محمد التهامي واحدا من الشعراء الذين سخروا الكلمة لخدمة الإسلام، فتميز شعره بالروح الإيمانية والرسالة...
المزيد »
رفع الأذى خلق إسلامي يعكس الإيمان الحقيقي
رفع الأذى عن الشوارع والطرقات ليس مجرد سلوك حضاري فحسب، بل هو عبادة وقيمة إيمانية عظيمة حث عليها الإسلام،...
المزيد »
حكمة الخطيب واعتداله
تمتع الخطيب بالحكمة والاعتدال ضرورة أساسية لنجاح رسالته الدعوية، فهو بذلك يحمي المجتمع من الغلو والتشدد،...
المزيد »
دور الدعاة في حماية الشباب المسلم
مسؤولية الدعاة في محاربة الإلحاد مسؤولية عظيمة تتطلب العلم، والحكمة، والتجديد في الأسلوب، فحماية الشباب...
المزيد »
الخطاب الديني الواعي حصن الأمة ضد الأفكار الدخيلة المفسدة
الخطاب الديني الواعي يمثل خط الدفاع الأول في مواجهة الأفكار الدخيلة التي تستهدف شباب الأمة، فهو يحمي...
المزيد »
«لا إله إلا الله»
ليست "لا إله إلا الله" مجرد عبارة تُتلى بالألسن، ولا لفظًا يُردَّد في مواسم الذكر فحسب، بل هي أصل الدين،...
المزيد »
بين التنوير الإسلامي والتغريب الثقافي..
الهوية المعرفية لا تتشكل في الفراغ، بل تتطلب أولاً التحرر من ذلك المركب النفسي المزدوج الذي يُصيب كثيراً...
المزيد »
الفقه: معرفة الأحكام الشرعية عن طريق الإجتهاد 
الفقه في اللغة يعني الفهم العميق والإدراك الدقيق للأمور، أما في الاصطلاح الشرعي، فهو العلم بالأحكام الشرعية...
المزيد »
بين جالينوس والقرآن..
كان جالينوس وأسلافه من أطباء اليونان يسيرون في دروب التخمين والاستنتاج الحدسي، فذهب إلى أن الجنين يتشكل...
المزيد »
أمة تسأل عن حكم الله..
في زحام الحضارات وتشابك الهويات وتقاطع المرجعيات، تقف الأمة الإسلامية في موقع فريد لا تشاركها فيه أمة...
المزيد »
العملات الرقمية بين الجواز والتحريم..
اختلف العلماء المعاصرون في حكم العملات الرقمية، فبعضهم يرى التحريم بسبب ما تتضمنه من غرر شديد، وجهالة،...
المزيد »
اعتبار العادة عند الاطراد أو الغلبة..
أعطى الفقه الإسلامي للعادات والأعراف مكانة معتبرة في بعض الأحكام، خاصة في المعاملات والعلاقات الاجتماعية،...
المزيد »
الطلاق الثلاث بلفظ واحد في المذهب المالكي بائن بينونة كبرى
الطلاق الثلاث بلفظ واحد هو أن يقول الزوج لزوجته: "أنت طالق ثلاثًا" أو "أنت طالق بالثلاث" في مجلس واحد...
المزيد »
علم القراءات.. مراتب الرواية وضبط التلاوة عبر الأجيال
منذ أن نزل القرآن الكريم على النبي محمد صلى الله عليه وسلم مُرتَّلاً مُجوَّداً، انصرف العلماء إلى صونه...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك