كمال الله تعالى.. عظمة لا يحدّها علم ولا يدركها فهم

الإيمان بكمال الله تعالى أصلٌ عظيم من أصول العقيدة، به يستقيم التوحيد وتصفو العبادة وتطمئن القلوب. فالله سبحانه وتعالى هو الكامل في ذاته، وصفاته، وأفعاله، لا يلحقه نقصٌ بوجهٍ من الوجوه،...
كمالٌ لا يُحدّ.. ما يجب في حق الله تعالى

كمال الله تعالى.. عظمة لا يحدّها علم ولا يدركها فهم

الإيمان بكمال الله تعالى أصلٌ عظيم من أصول العقيدة، به يستقيم التوحيد وتصفو العبادة وتطمئن القلوب. فالله سبحانه وتعالى هو الكامل في ذاته، وصفاته، وأفعاله، لا يلحقه نقصٌ بوجهٍ من الوجوه، ولا يشبه خلقه في شيء، جلّ عن الحدّ والمقدار، وتنزّه عن كل ما لا يليق بجلاله وكبريائه.

أولًا: معنى الكمال الإلهي

قال علماء التوحيد: يجب لله تعالى كل كمالٍ يليق بذاته، ويستحيل عليه كل نقص.”
فالكمال في حق الله هو اجتماع صفات الجلال والجمال، وتمام القدرة والعلم والحكمة والرحمة والعدل.
وكل ما كان من صفات الكمال الممكنة، فالله أولى بها وأكمل فيها من كل مخلوق، كما قال سبحانه:

«ولله المثل الأعلى» [النحل: 60].

ولهذا لا يُتصور في حقه سبحانه جهلٌ أو عجزٌ أو ظلمٌ أو موتٌ، لأن هذه نقائص تتنافى مع ألوهيته وربوبيته.

ثانيًا: كمال الله لا يُدركه عقل ولا يحيط به علم

مهما بلغ العقل من الإدراك، فإنه عاجز عن الإحاطة بكمال الله، لأن الكمال المطلق لا يحدّه وصفٌ ولا يحصره عقل.
قال تعالى:

«ولا يحيطون به علمًا» [طه: 110].
فالمخلوق محدود، والربّ مطلق، وبين المحدود والمطلق فاصل لا يُتجاوز.
ولهذا كان من أصول التوحيد أن نصف الله بما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله ﷺ، من غير تمثيل ولا تكييف، ومن غير تعطيل ولا تحريف. فنثبت له الصفات كما وردت، ونعلم أنها على الوجه الأكمل اللائق بجلاله، دون أن نُخضعها لقياس المخلوقات أو تصورات العقول.

ثالثًا: دلائل الكمال في أسماء الله وصفاته

كل اسمٍ من أسماء الله الحسنى يحمل وجهًا من وجوه كماله سبحانه:

  • فهو العليم الذي أحاط علمه بكل شيء ظاهرٍ وباطن.
  • وهو القدير الذي لا يعجزه أمرٌ في الأرض ولا في السماء.
  • وهو الحكيم الذي يضع الأمور مواضعها بحكمةٍ لا يخطئها تقدير.
  • وهو الغفور الرحيم الذي سبقت رحمته غضبه، ووسع عفوه كل ذنب.
  • وهو العدل الذي لا يظلم الناس شيئًا، ولكن الناس أنفسهم يظلمون.
    فكل اسمٍ من هذه الأسماء يدلّ على كمالٍ مخصوص، وإذا اجتمعت دلت على كمالٍ مطلقٍ لا نقص فيه.
رابعًا: أثر الإيمان بكمال الله في سلوك المؤمن

حين يستقرّ هذا الإيمان في القلب، يطمئن العبد إلى ربه، فلا يظنّ به إلا خيرًا، ولا يعترض على قضائه، لأن الكامل في حكمه لا يُخطئ، والعليم بخلقه لا يُقدّر إلا لحكمة.
فإذا نزل البلاء علم أن وراءه رحمة، وإذا جاء الرزق علم أنه بفضل وعدل، وإذا غابت الحكمة علم أن الله يعلم ما لا يعلم.
وهكذا يجعل الإيمان بكمال الله قلب المؤمن راضيًا مطمئنًا، خاشعًا متسليمًا، لا تضطرب عقيدته ولا تزلزلها الحوادث.

خامسًا: الكمال المطلق لا يقبل زيادة ولا نقصًا

كمال الله تعالى أزليّ أبديّ، لا يطرأ عليه تغير ولا تطور، لأن التغير دليل الحاجة، والحاجة دليل النقص، والله منزّه عن كل ذلك.
فهو سبحانه كامل في أزله وأبده، لا يزداد علمًا بعد جهل، ولا قدرةً بعد عجز، ولا غنى بعد فقر، بل هو كما قال عن نفسه:

«هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم» [الحديد: 3].

سادسًا: التأمل في كمال الله باب المعرفة

كلما ازداد العبد علمًا بصفات الله وأفعاله، ازداد حبًّا له وتعظيمًا لجلاله، لأن الكمال يُحبّ لذاته. فمن عرف كمال رحمته أحبه، ومن عرف كمال حكمته رضي به، ومن عرف كمال قدرته خضع له.
ولذلك كان العلم بأسماء الله الحسنى ومعانيها من أشرف العلوم، لأنه الطريق إلى معرفة الكمال الإلهي، ومعرفة الكمال سبيل إلى الإخلاص في العبادة والخشوع في الطاعة.

إن كمال الله تعالى ليس فكرة عقلية ولا تصورًا فلسفيًا، بل هو حقيقة إيمانية كبرى، تعيد الإنسان إلى مقام العبودية والتسليم، وتذكره أن عظمة الخالق فوق كل وصف، وأن الجمال المطلق لا يُدرك إلا بالسجود والخضوع.

«سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين» [الصافات: 180-182].

روابط وكلمات مفتاحية
السابق
التالي
ذات صلة
قصة النبي مع أم معبد الخزاعية..
في طريق هجرة النبي ﷺ من مكة إلى المدينة، مر هو وصاحبه أبو بكر الصديق بخيمة أم معبد الخزاعية، وكانت امرأة...
المزيد »
محمد التهامي..
محمد التهامي واحدا من الشعراء الذين سخروا الكلمة لخدمة الإسلام، فتميز شعره بالروح الإيمانية والرسالة...
المزيد »
رفع الأذى خلق إسلامي يعكس الإيمان الحقيقي
رفع الأذى عن الشوارع والطرقات ليس مجرد سلوك حضاري فحسب، بل هو عبادة وقيمة إيمانية عظيمة حث عليها الإسلام،...
المزيد »
حكمة الخطيب واعتداله
تمتع الخطيب بالحكمة والاعتدال ضرورة أساسية لنجاح رسالته الدعوية، فهو بذلك يحمي المجتمع من الغلو والتشدد،...
المزيد »
دور الدعاة في حماية الشباب المسلم
مسؤولية الدعاة في محاربة الإلحاد مسؤولية عظيمة تتطلب العلم، والحكمة، والتجديد في الأسلوب، فحماية الشباب...
المزيد »
الخطاب الديني الواعي حصن الأمة ضد الأفكار الدخيلة المفسدة
الخطاب الديني الواعي يمثل خط الدفاع الأول في مواجهة الأفكار الدخيلة التي تستهدف شباب الأمة، فهو يحمي...
المزيد »
«لا إله إلا الله»
ليست "لا إله إلا الله" مجرد عبارة تُتلى بالألسن، ولا لفظًا يُردَّد في مواسم الذكر فحسب، بل هي أصل الدين،...
المزيد »
بين التنوير الإسلامي والتغريب الثقافي..
الهوية المعرفية لا تتشكل في الفراغ، بل تتطلب أولاً التحرر من ذلك المركب النفسي المزدوج الذي يُصيب كثيراً...
المزيد »
الفقه: معرفة الأحكام الشرعية عن طريق الإجتهاد 
الفقه في اللغة يعني الفهم العميق والإدراك الدقيق للأمور، أما في الاصطلاح الشرعي، فهو العلم بالأحكام الشرعية...
المزيد »
بين جالينوس والقرآن..
كان جالينوس وأسلافه من أطباء اليونان يسيرون في دروب التخمين والاستنتاج الحدسي، فذهب إلى أن الجنين يتشكل...
المزيد »
أمة تسأل عن حكم الله..
في زحام الحضارات وتشابك الهويات وتقاطع المرجعيات، تقف الأمة الإسلامية في موقع فريد لا تشاركها فيه أمة...
المزيد »
العملات الرقمية بين الجواز والتحريم..
اختلف العلماء المعاصرون في حكم العملات الرقمية، فبعضهم يرى التحريم بسبب ما تتضمنه من غرر شديد، وجهالة،...
المزيد »
اعتبار العادة عند الاطراد أو الغلبة..
أعطى الفقه الإسلامي للعادات والأعراف مكانة معتبرة في بعض الأحكام، خاصة في المعاملات والعلاقات الاجتماعية،...
المزيد »
الطلاق الثلاث بلفظ واحد في المذهب المالكي بائن بينونة كبرى
الطلاق الثلاث بلفظ واحد هو أن يقول الزوج لزوجته: "أنت طالق ثلاثًا" أو "أنت طالق بالثلاث" في مجلس واحد...
المزيد »
علم القراءات.. مراتب الرواية وضبط التلاوة عبر الأجيال
منذ أن نزل القرآن الكريم على النبي محمد صلى الله عليه وسلم مُرتَّلاً مُجوَّداً، انصرف العلماء إلى صونه...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك