كلمة “متاعا” في آية الحجاب.. من دقائق البيان القرآني

ليس في القرآن كلمة عابرة، ولا لفظة ألقيت جزافًا، بل كل حرف جاء في موضعه محسوبًا بميزان الحكمة والإعجاز. ومن دقائق البيان القرآني....
المدّ المنفصل.. امتداد الصوت بين كلمتين يفصل بينهما الهمز

كلمة “متاعا” في آية الحجاب.. من دقائق البيان القرآني

ليس في القرآن كلمة عابرة، ولا لفظة ألقيت جزافًا، بل كل حرف جاء في موضعه محسوبًا بميزان الحكمة والإعجاز. ومن دقائق البيان القرآني أن يختار الوحي لفظًا بعينه حيث تتعدد البدائل، لتدل المفردة المختارة على معنى أوسع وأعمق مما قد توحي به النظائر..

ومن ذلك قوله تعالى في سياق الحديث عن نساء النبي ﷺ:
﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ (الأحزاب: 53).
تأتي هنا كلمة “متاع” لتثير سؤالًا بليغًا: لماذا لم يقل القرآن “شيئًا” مثلًا، وهي كلمة عامة أوسع تداولًا؟ وما الحكمة في تخصيص هذا اللفظ دون غيره؟

معنى “المتاع” في القرآن

يشير لفظ “المتاع” إلى كل ما يُنتفع به من حاجات ومصالح، سواء أكان ماديًا أو معنويًا. يقول القرطبي: إن المتاع يشمل ما يُستعمل من الأدوات والأوعية، وما يُعار من الحوائج، وكذلك ما يُطلب في الدين والدنيا معًا، فهو لفظ جامع يغطي مساحة واسعة من احتياجات الإنسان.
أما ابن عاشور، فيوضح أن “المتاع” يتسع ليشمل ما يحتاج إليه الناس من أدوات وأوانٍ وأشياء مادية، بالإضافة إلى ما يُستفاد منه في العلم والدين، كالسؤال عن الأحكام الشرعية أو مسائل القرآن. وبهذا يتضح أن الكلمة لم تقتصر على الحاجات الدنيوية الضيقة، بل انفتحت لتجمع الماديات والمعنويات على السواء.

الإعجاز اللغوي في اختيار الكلمة

لم يذكر المفسرون سببًا محددًا لاختيار لفظة “متاع” تحديدًا، لكنّ الإجماع قائم على أن القرآن يضع اللفظة الأبلغ والأفصح في الموضع الأليق بها. فكلمة “شيء” وإن كانت عامة، إلا أنها لا تحمل ما تحمله “متاع” من معاني الانتفاع المشروع والتقدير العملي.
فالقرآن أراد أن يشير إلى كل ما يُطلب على سبيل الانتفاع، لا على سبيل التملك أو الغنيمة. فكلمة “متاع” جاءت لتضبط المعنى وتلونه بالصفة الشرعية، لتدل على الانتفاع المباح والهادف، بعيدًا عن العبث أو ما لا حاجة له.

أثر الفهم على العلاقات الإنسانية

لم يكن التوجيه القرآني محصورًا في اللفظ وحده، بل ارتبط بالمنهج الكامل في تنظيم العلاقات بين الرجال والنساء. فالآية ربطت طلب المتاع بالحجاب، لتُبين أن الطهارة ليست مسألة ظاهرية فقط، بل هي نقاء داخلي ينعكس على القلب والنية. فحين يُطلب “المتاع” من وراء حجاب، يتحقق مقصدان عظيمان: سدّ الذريعة إلى الفتنة، وتزكية القلوب من دواعي الريبة وسوء الظن.
إنها دعوة لحياة متوازنة، يتحقق فيها الانتفاع بالحاجات الإنسانية الطبيعية دون أن يخلّ ذلك بجو الطهر والسمو الذي ينبغي أن يسود المجتمع المسلم.

حكمة التعبير القرآني

بهذا نفهم أن اختيار لفظ “متاع” لم يكن مجرد صدفة لغوية، بل هو حكمة قرآنية عميقة، لأنه يجمع بين عموم الحاجة اليومية وشمول الانتفاع الديني، ويذكّر في الوقت نفسه أن ما يُطلب لا ينبغي أن يكون إلا مما يُنتفع به بحق، وبما يحفظ الطهارة والوقار.

خلاصة التأمل

كلمة واحدة مثل “متاع” تكشف لنا كيف يربط القرآن بين الحياة المادية والروحية في نسق واحد، فلا يفصل بين السلوك العملي والطهارة القلبية. وهذا هو سر الإعجاز: أن الكلمة القرآنية تعكس المعنى الدقيق، وتُغني القلوب بالبصيرة كما تُغني الألسن بالبيان.

 

روابط وكلمات مفتاحية
السابق
التالي
ذات صلة
قصة النبي مع أم معبد الخزاعية..
في طريق هجرة النبي ﷺ من مكة إلى المدينة، مر هو وصاحبه أبو بكر الصديق بخيمة أم معبد الخزاعية، وكانت امرأة...
المزيد »
محمد التهامي..
محمد التهامي واحدا من الشعراء الذين سخروا الكلمة لخدمة الإسلام، فتميز شعره بالروح الإيمانية والرسالة...
المزيد »
رفع الأذى خلق إسلامي يعكس الإيمان الحقيقي
رفع الأذى عن الشوارع والطرقات ليس مجرد سلوك حضاري فحسب، بل هو عبادة وقيمة إيمانية عظيمة حث عليها الإسلام،...
المزيد »
حكمة الخطيب واعتداله
تمتع الخطيب بالحكمة والاعتدال ضرورة أساسية لنجاح رسالته الدعوية، فهو بذلك يحمي المجتمع من الغلو والتشدد،...
المزيد »
دور الدعاة في حماية الشباب المسلم
مسؤولية الدعاة في محاربة الإلحاد مسؤولية عظيمة تتطلب العلم، والحكمة، والتجديد في الأسلوب، فحماية الشباب...
المزيد »
الخطاب الديني الواعي حصن الأمة ضد الأفكار الدخيلة المفسدة
الخطاب الديني الواعي يمثل خط الدفاع الأول في مواجهة الأفكار الدخيلة التي تستهدف شباب الأمة، فهو يحمي...
المزيد »
«لا إله إلا الله»
ليست "لا إله إلا الله" مجرد عبارة تُتلى بالألسن، ولا لفظًا يُردَّد في مواسم الذكر فحسب، بل هي أصل الدين،...
المزيد »
بين التنوير الإسلامي والتغريب الثقافي..
الهوية المعرفية لا تتشكل في الفراغ، بل تتطلب أولاً التحرر من ذلك المركب النفسي المزدوج الذي يُصيب كثيراً...
المزيد »
الفقه: معرفة الأحكام الشرعية عن طريق الإجتهاد 
الفقه في اللغة يعني الفهم العميق والإدراك الدقيق للأمور، أما في الاصطلاح الشرعي، فهو العلم بالأحكام الشرعية...
المزيد »
بين جالينوس والقرآن..
كان جالينوس وأسلافه من أطباء اليونان يسيرون في دروب التخمين والاستنتاج الحدسي، فذهب إلى أن الجنين يتشكل...
المزيد »
أمة تسأل عن حكم الله..
في زحام الحضارات وتشابك الهويات وتقاطع المرجعيات، تقف الأمة الإسلامية في موقع فريد لا تشاركها فيه أمة...
المزيد »
العملات الرقمية بين الجواز والتحريم..
اختلف العلماء المعاصرون في حكم العملات الرقمية، فبعضهم يرى التحريم بسبب ما تتضمنه من غرر شديد، وجهالة،...
المزيد »
اعتبار العادة عند الاطراد أو الغلبة..
أعطى الفقه الإسلامي للعادات والأعراف مكانة معتبرة في بعض الأحكام، خاصة في المعاملات والعلاقات الاجتماعية،...
المزيد »
الطلاق الثلاث بلفظ واحد في المذهب المالكي بائن بينونة كبرى
الطلاق الثلاث بلفظ واحد هو أن يقول الزوج لزوجته: "أنت طالق ثلاثًا" أو "أنت طالق بالثلاث" في مجلس واحد...
المزيد »
علم القراءات.. مراتب الرواية وضبط التلاوة عبر الأجيال
منذ أن نزل القرآن الكريم على النبي محمد صلى الله عليه وسلم مُرتَّلاً مُجوَّداً، انصرف العلماء إلى صونه...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك