فطرة أنطقها الله..

كلبٌ يذود عن جناب النبوة

كان مجلس يجمع بعض القوم، وفيهم رجل نصراني من المغول، لم يملك لسانه عن الوقوع في جناب النبي صلى الله عليه وسلم سبًّا وانتقاصًا، مع اشتداد كلمات السباب، وثب الكلب فجأة وثبة حاسمة، واتجه مباشرة...
فطرة أنطقها الله..

فطرة أنطقها الله..

كلبٌ يذود عن جناب النبوة

ورد في بعض كتب التاريخ الإسلامي رواية لافتة أوردها الإمام ابن حجر العسقلاني في كتابه الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة، تتحدث عن واقعة عجيبة وقعت في زمن هيمنة المغول، حيث كان مجلس يجمع بعض القوم، وفيهم رجل نصراني من المغول، لم يملك لسانه عن الوقوع في جناب النبي صلى الله عليه وسلم سبًّا وانتقاصًا. كانت كلماتُه تنفلت في استخفافٍ آثم، لا يردعها وازع، ولا يكفّها توقير، حتى تحوّل المجلس إلى ساحة ابتلاء تكشف معادن الحاضرين، وتُظهر كيف تتفاعل الفطرة مع مقام النبوة.

لحظة الانفجار الفطري

في ذلك المجلس، كان كلب صيدٍ مقيّدًا قريبًا من القوم، يبدو في ظاهر أمره ساكنًا لا شأن له بما يدور. غير أن تكرار ذلك الرجل لسبّه واستهزائه أشعل في هذا الحيوان ما يشبه الغضب الفطري، وكأن الفطرة التي فُطر عليها لم تحتمل سماع الطعن في أشرف الخلق. ومع اشتداد كلمات السباب، وثب الكلب فجأة وثبة حاسمة، واتجه مباشرة إلى عنق الرجل، فانقضّ عليه انقضاضًا قاتلًا، حتى أرداه صريعًا بين أيدي الحاضرين.
كانت اللحظة مدهشة بكل المقاييس؛ صمتٌ ثقيل أعقب الحدث، وذهولٌ عمّ المكان. لم يكن الأمر مجرد حادث عابر، بل بدا وكأنه رسالة صامتة، تكلّمت فيها الفطرة حين عجزت الألسنة أو توانت. لقد انكشف المشهد عن مفارقة لافتة: إنسان يسيء ويجترئ، وحيوانٌ لا يعقل الخطاب يدافع ويغضب.

صدى الواقعة في نفوس المغول

لم تقف آثار الحادثة عند حدود المجلس، بل امتدت أصداؤها إلى من سمع بها من المغول وغيرهم، فقد رُوي أن هذه الواقعة كانت سببا في تأثر عدد كبير منهم، حتى قيل إن آلافًا أسلموا بعدها، حين رأوا في الحادثة دلالة على عظمة النبي صلى الله عليه وسلم، ومكانته التي تأباها حتى الفطرة غير العاقلة أن تنتهك.
ولئن اختلفت أنظار الباحثين في تفاصيل هذه الرواية أو في مدى ثبوتها من جهة الإسناد التاريخي، فإن حضورها في كتب التراجم والتواريخ يعكس كيف كان المسلمون ينظرون إلى مثل هذه الوقائع بوصفها إشارات رمزية تحمل معاني أعمق من ظاهرها. لقد قرأها كثيرون على أنها شاهد على أن تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم ليس مجرد تكليف شرعي، بل هو أمر مركوز في الفطر السليمة، وأن الاعتداء على هذا المقام يوقظ حتى ما لا يُتوقع منه الإدراك.

دلالات تتجاوز ظاهر الحكاية

تفتح هذه الرواية بابًا واسعًا للتأمل في العلاقة بين الفطرة والإيمان، وبين التعظيم القلبي والسلوك الظاهر. فهي تذكّر بأن مقام النبي صلى الله عليه وسلم ليس شأنًا نظريًا أو تاريخيا فحسب، بل هو حيّ في وجدان الأمة، تتوارثه الأجيال بوصفه جزءًا من هويتها الإيمانية، كما تثير في النفس سؤالًا عميقا: كيف يمكن للإنسان أن يهبط إلى درك الجرأة على مقام النبوة، بينما ترتفع كائنات أخرى إلى مستوى الغضب له؟
ومن زاوية أخرى، تعكس الواقعة – كما رُويت – أثر الأحداث الرمزية في تغيير القناعات، إذ قد تكون لحظة واحدة كفيلة بإحداث تحول جذري في النفوس، إذا لامست موضع الفطرة فيها، فالهداية لا تأتي دائما عبر الجدل الطويل، بل قد تتجلى في موقف يهز القلب، ويعيد ترتيب الأولويات، ويوقظ الإحساس بالحق.
كما تحمل القصة في طياتها تذكيرا بأهمية صيانة المجالس من الانفلات اللفظي، وأن الكلمات ليست مجرد أصوات عابرة، بل قد تكون سببا في بناء أو هدم، في هداية أو ضلال، فاللسان، حين ينفلت من عقال الأدب، قد يجر صاحبه إلى عواقب لا تخطر له على بال، بينما يبقى توقير النبي صلى الله عليه وسلم معيارًا من معايير صفاء الإيمان وسلامة الفطرة.

روابط وكلمات مفتاحية
السابق
التالي
ذات صلة
قصة النبي مع أم معبد الخزاعية..
في طريق هجرة النبي ﷺ من مكة إلى المدينة، مر هو وصاحبه أبو بكر الصديق بخيمة أم معبد الخزاعية، وكانت امرأة...
المزيد »
محمد التهامي..
محمد التهامي واحدا من الشعراء الذين سخروا الكلمة لخدمة الإسلام، فتميز شعره بالروح الإيمانية والرسالة...
المزيد »
رفع الأذى خلق إسلامي يعكس الإيمان الحقيقي
رفع الأذى عن الشوارع والطرقات ليس مجرد سلوك حضاري فحسب، بل هو عبادة وقيمة إيمانية عظيمة حث عليها الإسلام،...
المزيد »
حكمة الخطيب واعتداله
تمتع الخطيب بالحكمة والاعتدال ضرورة أساسية لنجاح رسالته الدعوية، فهو بذلك يحمي المجتمع من الغلو والتشدد،...
المزيد »
دور الدعاة في حماية الشباب المسلم
مسؤولية الدعاة في محاربة الإلحاد مسؤولية عظيمة تتطلب العلم، والحكمة، والتجديد في الأسلوب، فحماية الشباب...
المزيد »
الخطاب الديني الواعي حصن الأمة ضد الأفكار الدخيلة المفسدة
الخطاب الديني الواعي يمثل خط الدفاع الأول في مواجهة الأفكار الدخيلة التي تستهدف شباب الأمة، فهو يحمي...
المزيد »
«لا إله إلا الله»
ليست "لا إله إلا الله" مجرد عبارة تُتلى بالألسن، ولا لفظًا يُردَّد في مواسم الذكر فحسب، بل هي أصل الدين،...
المزيد »
بين التنوير الإسلامي والتغريب الثقافي..
الهوية المعرفية لا تتشكل في الفراغ، بل تتطلب أولاً التحرر من ذلك المركب النفسي المزدوج الذي يُصيب كثيراً...
المزيد »
الفقه: معرفة الأحكام الشرعية عن طريق الإجتهاد 
الفقه في اللغة يعني الفهم العميق والإدراك الدقيق للأمور، أما في الاصطلاح الشرعي، فهو العلم بالأحكام الشرعية...
المزيد »
بين جالينوس والقرآن..
كان جالينوس وأسلافه من أطباء اليونان يسيرون في دروب التخمين والاستنتاج الحدسي، فذهب إلى أن الجنين يتشكل...
المزيد »
أمة تسأل عن حكم الله..
في زحام الحضارات وتشابك الهويات وتقاطع المرجعيات، تقف الأمة الإسلامية في موقع فريد لا تشاركها فيه أمة...
المزيد »
العملات الرقمية بين الجواز والتحريم..
اختلف العلماء المعاصرون في حكم العملات الرقمية، فبعضهم يرى التحريم بسبب ما تتضمنه من غرر شديد، وجهالة،...
المزيد »
اعتبار العادة عند الاطراد أو الغلبة..
أعطى الفقه الإسلامي للعادات والأعراف مكانة معتبرة في بعض الأحكام، خاصة في المعاملات والعلاقات الاجتماعية،...
المزيد »
الطلاق الثلاث بلفظ واحد في المذهب المالكي بائن بينونة كبرى
الطلاق الثلاث بلفظ واحد هو أن يقول الزوج لزوجته: "أنت طالق ثلاثًا" أو "أنت طالق بالثلاث" في مجلس واحد...
المزيد »
علم القراءات.. مراتب الرواية وضبط التلاوة عبر الأجيال
منذ أن نزل القرآن الكريم على النبي محمد صلى الله عليه وسلم مُرتَّلاً مُجوَّداً، انصرف العلماء إلى صونه...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك