شبهة المادية في الإسلام

بين النظرة الديورانتية وروح الرسالة

من أكثر ما يلفت في كتاب قصة الحضارة للفيلسوف الأمريكي ويل ديورانت أنه حاول أن يصوغ تاريخ الإنسانية من منظورٍ حضاري شامل، غير أنّ عدسته الغربية كثيرًا...
شبهة المادية في الإسلام بين النظرة الديورانتية وروح الرسالة

شبهة المادية في الإسلام

بين النظرة الديورانتية وروح الرسالة

من أكثر ما يلفت في كتاب قصة الحضارة للفيلسوف الأمريكي ويل ديورانت أنه حاول أن يصوغ تاريخ الإنسانية من منظورٍ حضاري شامل، غير أنّ عدسته الغربية كثيرًا ما شوّهت رؤيته حين اقترب من الإسلام. فقد قرأ ديورانت الظاهرة الإسلامية بعيون الفلسفة الوضعية، التي تُحاكم الأديان بمنطق التاريخ المادي، فبدت له الرسالة المحمدية حركة اجتماعية أفرزها ضغط الصحراء وحاجة العرب إلى الوحدة والتوسع، أكثر منها وحيًا سماويًا أقام نظامًا أخلاقيًا وروحيًا متكاملًا.
تلك الرؤية التي تنزع القداسة عن الرسالة وتحيلها إلى “نتاج بيئة” هي ما يمكن أن نسمّيه شبهة المادية في فكر ديورانت، وهي شبهة قديمة لبست ثوب التحليل التاريخي الحديث.

الجذر الفلسفي للشبهة

ينطلق ديورانت من خلفية فكرية متأثرة بالمادية الجدلية التي تردّ تطور الحضارات إلى الاقتصاد والجغرافيا، لا إلى القيم والعقائد. فهو يرى أن الدوافع الدينية ليست سوى “قناعٍ للمصالح المادية” وأنّ كل نهضة دينية هي استجابة لاحتياجات اجتماعية واقتصادية.
وعندما تناول الإسلام في الجزء الرابع من قصة الحضارة، قال: لقد كان محمد عبقريًا أدرك حاجات قومه السياسية والاجتماعية، فأنشأ لهم دينًا يربطهم بالعقيدة كما يربطهم بالسلطة.
بهذا التصور، يصبح الوحي مجرد “أداة إصلاح”، والنبوّة ضربًا من العبقرية السياسية، لا اصطفاءً إلهيًا ولا نورًا غيبيًا.

لكنّ هذه الرؤية ـ رغم ما فيها من عمقٍ تحليلي ـ تعجز عن تفسير البعد الغيبي الذي شكّل لبّ التجربة الإسلامية، وعن إدراك أنّ الإسلام لم يكن حركة مطالب دنيوية، بل ثورة روحية غيّرت نظرة الإنسان إلى نفسه وربّه والكون من حوله.

الإسلام بين المادة والروح

الإسلام لا ينكر المادة، لكنه لا يؤلّهها؛ فهو دين العمران المتوازن، الذي يربط بين السماء والأرض، وبين الغيب والشهادة، وبين العمل والعبادة.
قال تعالى: وابتغِ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا، فالإسلام يعترف بحاجات الجسد كما يعترف بحاجات الروح، ويعتبر العمل في الأرض عبادةً إذا استقام على التقوى.

وفي السيرة النبوية ما يُبطل دعوى المادية؛ فالنبي ﷺ عاش زاهدًا، ينام على حصير، وترك الدنيا وهو لا يملك إلا درعًا مرهونة، ومع ذلك أقام دولة ذات حضارة مادية زاخرة بالعلم والصناعة والتنظيم.
إنّ الجمع بين الزهد الروحي والفاعلية العمرانية هو ما يميّز الإسلام عن غيره من الأديان والمذاهب، ويُسقط فكرة أن تقدّمه كان ثمرة “طموح اقتصادي” كما زعم ديورانت.

نقد الرؤية الديورانتية

منهج ديورانت في قراءة الإسلام قائم على الاختزال التاريخي؛ إذ يفسّر كل ظاهرة بمحددات الاقتصاد والسياسة، متجاهلًا البنية الإيمانية التي تصنع سلوك الإنسان. فهو ينسب مثلًا توسّع المسلمين إلى الطمع والغنيمة، ولا يرى في الجهاد سوى حركة استعمار مبكّر، متناسيًا أن الإسلام حرّر الأمم من الإقطاع والكهنوت، وأن فتوحاته ألغت الطبقية ونشرت العدل والعلم.

كما أن ادعاءه بأن الإسلام “دين السلطة” يتنافى مع حقيقة أن الدعوة بدأت سرًّا، وواجهت اضطهادًا شديدًا لثلاثة عشر عامًا دون قوة مادية تسندها. ولو كانت الرسالة دافعًا دنيويًا لما صبر أصحابها على الأذى ولا آثروا الموت في سبيل كلمة التوحيد.

إنّ الخطأ المنهجي في فكر ديورانت أنه يقيس الوحي بمقاييس الاجتماع والسياسة، فيسقط عليه قوانين المادة، وينسى أنّ الإيمان ـ في جوهره ـ ظاهرة روحية لا تُختزل في معادلة اقتصادية.

الإسلام والإنسان الكامل

جاء الإسلام ليعيد للإنسان توازنه بين طينيته ونفخة الروح فيه. فالمسلم مطالب بعمارة الأرض بالعدل والعلم والإنتاج، ولكن على أساس عبوديته لله لا عبوديته للمادة.
ولذلك كان النموذج الإسلامي في التاريخ حضارةً إنسانيةً لا ماديةً، حضارةً جعلت من المسجد مركزًا للعلم والإدارة، ومن القرآن مصدرًا للتشريع والعمران، ومن الزهد دافعًا للإنتاج لا عذرًا للتقاعس.

إنّ التقدّم المادي في الحضارة الإسلامية لم يكن نقيضًا للإيمان، بل ثمرةً له، لأنه انبثق من رؤية توحيدية ترى الكون مسخّرًا للإنسان كي يعرف خالقه من خلاله. فكل اكتشاف علمي وكل إنجاز عمراني في الإسلام هو عبادة عقلية تكمّل العبادة الشعائرية.

منهج حضاري يصوغ الإنسان الكامل

لقد أخطأ ديورانت حين نظر إلى الإسلام بعين المادة، ولم يرَ أنّ هذه الرسالة تمثل توازنًا دقيقًا بين الروح والجسد، بين الفكر والعمل، بين الإيمان والسببية.
فالإسلام ليس دين التصوّف المنعزل ولا دين الاقتصاد المجرد، بل هو منهج حضاري يصوغ الإنسان الكامل الذي يعبد الله بعقله ويده وقلبه.
وإذا كانت المادية الغربية قد أنتجت حضارة بلا روح، فإن الإسلام قدّم نموذجًا للروح التي تصنع حضارة. وهذا هو الفارق الذي عجزت الفلسفة الديورانتية عن إدراكه.

روابط وكلمات مفتاحية
السابق
التالي
ذات صلة
قصة النبي مع أم معبد الخزاعية..
في طريق هجرة النبي ﷺ من مكة إلى المدينة، مر هو وصاحبه أبو بكر الصديق بخيمة أم معبد الخزاعية، وكانت امرأة...
المزيد »
محمد التهامي..
محمد التهامي واحدا من الشعراء الذين سخروا الكلمة لخدمة الإسلام، فتميز شعره بالروح الإيمانية والرسالة...
المزيد »
رفع الأذى خلق إسلامي يعكس الإيمان الحقيقي
رفع الأذى عن الشوارع والطرقات ليس مجرد سلوك حضاري فحسب، بل هو عبادة وقيمة إيمانية عظيمة حث عليها الإسلام،...
المزيد »
حكمة الخطيب واعتداله
تمتع الخطيب بالحكمة والاعتدال ضرورة أساسية لنجاح رسالته الدعوية، فهو بذلك يحمي المجتمع من الغلو والتشدد،...
المزيد »
دور الدعاة في حماية الشباب المسلم
مسؤولية الدعاة في محاربة الإلحاد مسؤولية عظيمة تتطلب العلم، والحكمة، والتجديد في الأسلوب، فحماية الشباب...
المزيد »
الخطاب الديني الواعي حصن الأمة ضد الأفكار الدخيلة المفسدة
الخطاب الديني الواعي يمثل خط الدفاع الأول في مواجهة الأفكار الدخيلة التي تستهدف شباب الأمة، فهو يحمي...
المزيد »
«لا إله إلا الله»
ليست "لا إله إلا الله" مجرد عبارة تُتلى بالألسن، ولا لفظًا يُردَّد في مواسم الذكر فحسب، بل هي أصل الدين،...
المزيد »
بين التنوير الإسلامي والتغريب الثقافي..
الهوية المعرفية لا تتشكل في الفراغ، بل تتطلب أولاً التحرر من ذلك المركب النفسي المزدوج الذي يُصيب كثيراً...
المزيد »
الفقه: معرفة الأحكام الشرعية عن طريق الإجتهاد 
الفقه في اللغة يعني الفهم العميق والإدراك الدقيق للأمور، أما في الاصطلاح الشرعي، فهو العلم بالأحكام الشرعية...
المزيد »
بين جالينوس والقرآن..
كان جالينوس وأسلافه من أطباء اليونان يسيرون في دروب التخمين والاستنتاج الحدسي، فذهب إلى أن الجنين يتشكل...
المزيد »
أمة تسأل عن حكم الله..
في زحام الحضارات وتشابك الهويات وتقاطع المرجعيات، تقف الأمة الإسلامية في موقع فريد لا تشاركها فيه أمة...
المزيد »
العملات الرقمية بين الجواز والتحريم..
اختلف العلماء المعاصرون في حكم العملات الرقمية، فبعضهم يرى التحريم بسبب ما تتضمنه من غرر شديد، وجهالة،...
المزيد »
اعتبار العادة عند الاطراد أو الغلبة..
أعطى الفقه الإسلامي للعادات والأعراف مكانة معتبرة في بعض الأحكام، خاصة في المعاملات والعلاقات الاجتماعية،...
المزيد »
الطلاق الثلاث بلفظ واحد في المذهب المالكي بائن بينونة كبرى
الطلاق الثلاث بلفظ واحد هو أن يقول الزوج لزوجته: "أنت طالق ثلاثًا" أو "أنت طالق بالثلاث" في مجلس واحد...
المزيد »
علم القراءات.. مراتب الرواية وضبط التلاوة عبر الأجيال
منذ أن نزل القرآن الكريم على النبي محمد صلى الله عليه وسلم مُرتَّلاً مُجوَّداً، انصرف العلماء إلى صونه...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك