الفكر النسوي وهدم النظم العقدية.. حين تحوّل تحرير المرأة إلى تمرّدٍ على المقدّس

لم يكن الفكر النسوي في بداياته دعوةً صريحة لهدم الدين، بل كان حركةً اجتماعية تطالب بالمساواة القانونية والسياسية. غير أن المسار الفكري الذي سلكته التيارات النسوية...
الفكر النسوي وهدم النظم العقدية.. حين تحوّل تحرير المرأة إلى تمرّدٍ على المقدّس

الفكر النسوي وهدم النظم العقدية.. حين تحوّل تحرير المرأة إلى تمرّدٍ على المقدّس

لم يكن الفكر النسوي في بداياته دعوةً صريحة لهدم الدين، بل كان حركةً اجتماعية تطالب بالمساواة القانونية والسياسية. غير أن المسار الفكري الذي سلكته التيارات النسوية في القرن العشرين سرعان ما تجاوز حدود الحقوق إلى نسف النظم العقدية ذاتها، باعتبارها – في تصورهن – الأداة الأولى لاستعباد المرأة وإقصائها.

من نقد السلطة الذكورية إلى نقد الإله الذكر

بدأ التحول مع النسوية الراديكالية في ستينيات القرن الماضي، التي رأت أن جذور اضطهاد المرأة لا تكمن في الاقتصاد أو السياسة، بل في البنية الذكورية للعقيدة والثقافة.
وفي كتابها المرأة المخصيّة، اعتبرت الكاتبة الأمريكية جيرمين غرير أن كل الأديان السماوية قامت على رمزيةٍ ذكوريةٍ تُقصي الأنثى من مقام القداسة، وأن صورة الإله الذكر رسخت دونية المرأة في الوعي الجمعي.
ثم جاءت ماري دالي في كتابها ما بعد الإله الأب لتعلن صراحةً أن “التحرر الحقيقي للمرأة لا يمكن أن يتمّ ما دام الإله يُصوّر كذكر”، داعيةً إلى إعادة بناء الروحانية على أساس أنثويٍّ خالص، في قطيعةٍ تامة مع الموروث الديني الإبراهيمي.

اللاهوت النسوي: تفكيك المقدّس باسم العدالة

من هذا المنطلق نشأ ما عُرف بـ اللاهوت النسوي (Feminist Theology)، وهو اتجاه يسعى لإعادة قراءة النصوص المقدسة بمنظورٍ نسوي، بدعوى أن التفاسير التقليدية صيغت تحت هيمنة الرجل.
وفي المسيحية واليهودية ظهرت مدارس كاملة تسعى إلى أنسنة النصوص المقدسة ونزع طابعها الإلهي، لتصبح مجرد تجارب بشرية قابلة للنقد.
ثم امتدّ هذا الفكر إلى الفضاء الإسلامي من خلال دعاوى إعادة تأويل النصوص القرآنية والحديثية في ضوء “العدالة الجندرية”، فظهرت أسماء مثل أمينة ودود وفاطمة المرنيسي اللتين دعتا إلى قراءة نسوية للقرآن والسنة، معتبرتين أن مشكلة المرأة ليست في النص، بل في التفسير الذكوري له — وهو طرح يتضمن في جوهره نزع القداسة عن الوحي وتحويله إلى نصٍّ تاريخي خاضع للتأويل الإنساني المطلق.

الفلسفة النسوية وتفكيك المرجعيات

اعتمد الفكر النسوي في هذه المرحلة على الفلسفات التفكيكية وما بعد الحداثة، وخاصةً أفكار ميشيل فوكو وجاك دريدا، اللذين أنكرا وجود حقيقةٍ مطلقة أو معنى ثابت.
ومن هنا تبنّت النسويات القول بأن الحقائق الدينية ليست إلا بنى لغوية أنتجها الذكر المهيمن لتكريس سلطته.
فلم يعد الحديث عن تحرير المرأة من هيمنة الرجل فحسب، بل عن تحرير الإنسان من سلطة الإله والعقيدة والضمير.
بهذا المعنى، غدت النسوية المعاصرة مشروعًا لهدم كل “مرجع متعالٍ” — سواء كان النص، أو الدين، أو الفطرة — واستبداله بمركزية الذات، حيث تصبح الرغبة الفردية هي معيار الصواب والخطأ.

انعكاس الفكر النسوي على القيم والهوية

هذا الهدم المنهجي للمرجعيات لم يقف عند حدود التنظير، بل انعكس في الواقع الغربي على شكل أزمة هويةٍ وجودية، إذ تهاوت القيم الأسرية والأدوار الفطرية تحت شعارات “الاختيار الحر” و”التحرر من القيد البيولوجي”.
وتحوّل الجسد من أمانةٍ إلى ملكيةٍ مطلقة، وصار تحديد الجنس أو إنكاره فعلًا من أفعال الحرية، بل من حقوق الإنسان الجديدة.
لقد نجح الفكر النسوي – بتفرعاته المتطرفة – في إعادة تعريف الإنسان خارج أي نظام عقدي أو أخلاقي، حتى صار المقدّس الوحيد هو “الذات المستقلة”، لا الله ولا الفطرة ولا القانون.

روابط وكلمات مفتاحية
السابق
التالي
ذات صلة
قصة النبي مع أم معبد الخزاعية..
في طريق هجرة النبي ﷺ من مكة إلى المدينة، مر هو وصاحبه أبو بكر الصديق بخيمة أم معبد الخزاعية، وكانت امرأة...
المزيد »
محمد التهامي..
محمد التهامي واحدا من الشعراء الذين سخروا الكلمة لخدمة الإسلام، فتميز شعره بالروح الإيمانية والرسالة...
المزيد »
رفع الأذى خلق إسلامي يعكس الإيمان الحقيقي
رفع الأذى عن الشوارع والطرقات ليس مجرد سلوك حضاري فحسب، بل هو عبادة وقيمة إيمانية عظيمة حث عليها الإسلام،...
المزيد »
حكمة الخطيب واعتداله
تمتع الخطيب بالحكمة والاعتدال ضرورة أساسية لنجاح رسالته الدعوية، فهو بذلك يحمي المجتمع من الغلو والتشدد،...
المزيد »
دور الدعاة في حماية الشباب المسلم
مسؤولية الدعاة في محاربة الإلحاد مسؤولية عظيمة تتطلب العلم، والحكمة، والتجديد في الأسلوب، فحماية الشباب...
المزيد »
الخطاب الديني الواعي حصن الأمة ضد الأفكار الدخيلة المفسدة
الخطاب الديني الواعي يمثل خط الدفاع الأول في مواجهة الأفكار الدخيلة التي تستهدف شباب الأمة، فهو يحمي...
المزيد »
«لا إله إلا الله»
ليست "لا إله إلا الله" مجرد عبارة تُتلى بالألسن، ولا لفظًا يُردَّد في مواسم الذكر فحسب، بل هي أصل الدين،...
المزيد »
بين التنوير الإسلامي والتغريب الثقافي..
الهوية المعرفية لا تتشكل في الفراغ، بل تتطلب أولاً التحرر من ذلك المركب النفسي المزدوج الذي يُصيب كثيراً...
المزيد »
الفقه: معرفة الأحكام الشرعية عن طريق الإجتهاد 
الفقه في اللغة يعني الفهم العميق والإدراك الدقيق للأمور، أما في الاصطلاح الشرعي، فهو العلم بالأحكام الشرعية...
المزيد »
بين جالينوس والقرآن..
كان جالينوس وأسلافه من أطباء اليونان يسيرون في دروب التخمين والاستنتاج الحدسي، فذهب إلى أن الجنين يتشكل...
المزيد »
أمة تسأل عن حكم الله..
في زحام الحضارات وتشابك الهويات وتقاطع المرجعيات، تقف الأمة الإسلامية في موقع فريد لا تشاركها فيه أمة...
المزيد »
العملات الرقمية بين الجواز والتحريم..
اختلف العلماء المعاصرون في حكم العملات الرقمية، فبعضهم يرى التحريم بسبب ما تتضمنه من غرر شديد، وجهالة،...
المزيد »
اعتبار العادة عند الاطراد أو الغلبة..
أعطى الفقه الإسلامي للعادات والأعراف مكانة معتبرة في بعض الأحكام، خاصة في المعاملات والعلاقات الاجتماعية،...
المزيد »
الطلاق الثلاث بلفظ واحد في المذهب المالكي بائن بينونة كبرى
الطلاق الثلاث بلفظ واحد هو أن يقول الزوج لزوجته: "أنت طالق ثلاثًا" أو "أنت طالق بالثلاث" في مجلس واحد...
المزيد »
علم القراءات.. مراتب الرواية وضبط التلاوة عبر الأجيال
منذ أن نزل القرآن الكريم على النبي محمد صلى الله عليه وسلم مُرتَّلاً مُجوَّداً، انصرف العلماء إلى صونه...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك