الفطرة والجبلة:

توأمان في الخلق.. وفروق في المسار

في قاموس القرآن الكريم، تتراقص الكلمات بحروف واحدة، لكنها تتباعد في الدلالات والمعاني، ومن هذه الثنائيات المدهشة كلمتا "الفطرة" و"الجِبلة"....
"تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ".. إيثار للطاعة على راحة الجسد

الفطرة والجبلة:

توأمان في الخلق.. وفروق في المسار

في قاموس القرآن الكريم، تتراقص الكلمات بحروف واحدة، لكنها تتباعد في الدلالات والمعاني، ومن هذه الثنائيات المدهشة كلمتا “الفطرة” و”الجِبلة”. قد يظن القارئ أنهما تعبيران عن معنى واحد، لكن التأمل في سياقهما القرآني يكشف عن عالمين متقاربين في المادة، متمايزين في المفهوم، كل منهما يحمل بصمة خاصة في تشكيل الإنسان ومسيرته في هذه الحياة.

الفطرة: النقاء الأصيل والاستعداد الفطري

إذا استعرضنا كلمة “الفطرة” في القرآن، نجدها تحمل معنى الخلقة الأولى والنقاء الأصيل. يقول تعالى: “فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا”، فالفطرة هنا هي ذلك الاستعداد الفطري للإيمان بالله، ذلك الميل الغريزي نحو الخير والفضيلة. إنها البصمة الإلهية في كل نفس بشرية، ذلك الصوت الداخلي الذي يهدي إلى الحق. الفطرة تشبه البذرة الطيبة التي غرسها الله في كل إنسان، قابلة للنمو والازدهار مع العناية، وقابلة للذبول والإهمال.

الجِبلة: المكون الأساسي والطبيعة الثابتة

أما “الجِبلة” فتحمل معنى أعمق في التركيب والطبيعة الأساسية. نجدها في قوله تعالى: “وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ * وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ * إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ”. هنا نرى الجبلة كالطبيعة العميقة للإنسان، تلك الصفات الراسخة في تكوينه.

الفرق الجوهري: بين المرونة والثبات

يمكننا القول إن الفطرة تمثل الاستعداد الأولي القابل للتوجيه، بينما تمثل الجبلة الطبيعة الراسخة التي تتشكل عبر الزمن. الفطرة تشبه التربة الخصبة الصالحة لزراعة مختلف البذور، أما الجبلة فتشبه الشجرة التي نمت وترسخت واصطبغت بخصائصها النهائية. الفطرة تظل كامنة في الإنسان يمكن إحياؤها في أي لحظة، بينما الجبلة تمثل المسار الذي سلكه الإنسان فتشكلت عليه شخصيته.

التكامل لا التعارض: رحلة من الفطرة إلى الجبلة

رغم الفروق بين المفهومين، إلا أنهما ليسا في حالة صراع، بل في حالة تكامل. الفطرة تمثل نقطة البداية، والجبلة تمثل نقطة الوصول. الفطرة هي الاستعداد الفطري للخير، والجبلة هي الهوية التي تشكلت عبر الاختيارات. الإنسان يولد على الفطرة، ثم يكون اختياراته وأفعاله يبني جبلته. قد يحافظ على فطرته النقية فتكون جبلته صالحة، وقد يحرف فطرته فتكون جبلته منحرفة.

الامتحان الإلهي: بين نداء الفطرة وثقل الجبلة

في الحياة الدنيا، يعيش الإنسان في صراع بين نداء الفطرة العميق وثقل الجبلة المكتسبة. الفطرة تناديه إلى الخير والفضيلة، والجبلة تجذبه إلى ما اعتاده ورسخ في نفسه. من هنا يأتي الامتحان الإلهي: أيستجيب لنداء الفطر ة فيغير جبلته، أم يستسلم لجبلة نفسه فيخون فطرته؟ هذا الصراع هو سر الابتلاء في الحياة الدنيا.

القرآن والتربية: من الفطرة إلى الجبلة الصالحة

يعمل القرآن الكريم على استثمار الفطرة السليمة لبناء جبلة صالحة. يأتي الخطاب القرآني ليذكر الإنسان بفطرته النقية، ويدعوه إلى العودة إليها، ثم يرشده إلى الطريق لبناء جبلة تقربه من الله. التربية الإسلامية تسعى للحفاظ على الفطرة من الانحراف، وتوجيهها لبناء جبلة مؤمنة، تكون فيها طبيعة الإنسان متوافقة مع فطرته الأولى.

روابط وكلمات مفتاحية
السابق
التالي
ذات صلة
قصة النبي مع أم معبد الخزاعية..
في طريق هجرة النبي ﷺ من مكة إلى المدينة، مر هو وصاحبه أبو بكر الصديق بخيمة أم معبد الخزاعية، وكانت امرأة...
المزيد »
محمد التهامي..
محمد التهامي واحدا من الشعراء الذين سخروا الكلمة لخدمة الإسلام، فتميز شعره بالروح الإيمانية والرسالة...
المزيد »
رفع الأذى خلق إسلامي يعكس الإيمان الحقيقي
رفع الأذى عن الشوارع والطرقات ليس مجرد سلوك حضاري فحسب، بل هو عبادة وقيمة إيمانية عظيمة حث عليها الإسلام،...
المزيد »
حكمة الخطيب واعتداله
تمتع الخطيب بالحكمة والاعتدال ضرورة أساسية لنجاح رسالته الدعوية، فهو بذلك يحمي المجتمع من الغلو والتشدد،...
المزيد »
دور الدعاة في حماية الشباب المسلم
مسؤولية الدعاة في محاربة الإلحاد مسؤولية عظيمة تتطلب العلم، والحكمة، والتجديد في الأسلوب، فحماية الشباب...
المزيد »
الخطاب الديني الواعي حصن الأمة ضد الأفكار الدخيلة المفسدة
الخطاب الديني الواعي يمثل خط الدفاع الأول في مواجهة الأفكار الدخيلة التي تستهدف شباب الأمة، فهو يحمي...
المزيد »
«لا إله إلا الله»
ليست "لا إله إلا الله" مجرد عبارة تُتلى بالألسن، ولا لفظًا يُردَّد في مواسم الذكر فحسب، بل هي أصل الدين،...
المزيد »
بين التنوير الإسلامي والتغريب الثقافي..
الهوية المعرفية لا تتشكل في الفراغ، بل تتطلب أولاً التحرر من ذلك المركب النفسي المزدوج الذي يُصيب كثيراً...
المزيد »
الفقه: معرفة الأحكام الشرعية عن طريق الإجتهاد 
الفقه في اللغة يعني الفهم العميق والإدراك الدقيق للأمور، أما في الاصطلاح الشرعي، فهو العلم بالأحكام الشرعية...
المزيد »
بين جالينوس والقرآن..
كان جالينوس وأسلافه من أطباء اليونان يسيرون في دروب التخمين والاستنتاج الحدسي، فذهب إلى أن الجنين يتشكل...
المزيد »
أمة تسأل عن حكم الله..
في زحام الحضارات وتشابك الهويات وتقاطع المرجعيات، تقف الأمة الإسلامية في موقع فريد لا تشاركها فيه أمة...
المزيد »
العملات الرقمية بين الجواز والتحريم..
اختلف العلماء المعاصرون في حكم العملات الرقمية، فبعضهم يرى التحريم بسبب ما تتضمنه من غرر شديد، وجهالة،...
المزيد »
اعتبار العادة عند الاطراد أو الغلبة..
أعطى الفقه الإسلامي للعادات والأعراف مكانة معتبرة في بعض الأحكام، خاصة في المعاملات والعلاقات الاجتماعية،...
المزيد »
الطلاق الثلاث بلفظ واحد في المذهب المالكي بائن بينونة كبرى
الطلاق الثلاث بلفظ واحد هو أن يقول الزوج لزوجته: "أنت طالق ثلاثًا" أو "أنت طالق بالثلاث" في مجلس واحد...
المزيد »
علم القراءات.. مراتب الرواية وضبط التلاوة عبر الأجيال
منذ أن نزل القرآن الكريم على النبي محمد صلى الله عليه وسلم مُرتَّلاً مُجوَّداً، انصرف العلماء إلى صونه...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك