الفتح في ميزان الحق

بين دعوة التوحيد وزيف التوسع السياسي

من الشبهات التي كرّرها بعض المؤرخين الغربيين — وعلى رأسهم ول ديورانت — قوله إن الفتوحات الإسلامية لم تكن دعوية بل توسعًا سياسيًا هدفه الغنيمة والسيطرة،...
الفتح في ميزان الحق.. بين دعوة التوحيد وزيف التوسع السياسي

الفتح في ميزان الحق

بين دعوة التوحيد وزيف التوسع السياسي

من الشبهات التي كرّرها بعض المؤرخين الغربيين — وعلى رأسهم ول ديورانت — قوله إن الفتوحات الإسلامية لم تكن دعوية بل توسعًا سياسيًا هدفه الغنيمة والسيطرة، لا نشر الإيمان والحرية.
وهذه الدعوى، وإن زخرفت بظاهرٍ من التحليل التاريخي، فإنها تغفل جوهر الفكرة الإسلامية في الفتح، وتُسقط عليها مقاييس الإمبراطوريات المادية التي عرفها الغرب، بينما الفتح الإسلامي انبثق من روحٍ عقدية لا من نزعةٍ توسعية.

الفارق بين الفتح والاستعمار

الفتح الإسلامي لم يكن استعمارًا كما عرّفه التاريخ الحديث، بل تحريرًا للإنسان من عبودية الإنسان.
فحين دخل المسلمون مصر والشام والعراق، لم يفرضوا على الناس دينًا ولا لغةً، بل أقرّوا حرية العقيدة وتركوا لأهل البلاد أموالهم وكنائسهم، وأقاموا العدل مكان الطغيان.
وفي المقابل، لم تعرف الفتوحات الإسلامية استيطانًا ولا نهبًا للثروات، بل نظامًا دقيقًا في بيت المال يقوم على المسؤولية لا النهب، وعلى العدل لا الاستعباد.
ولو كانت الفتوحات سياسة توسعٍ دنيوي، لما حفظت هوية الشعوب المفتوحة، ولما بقيت كنائس الشام وأديرة العراق شاهدةً إلى اليوم على تسامح الفاتحين.

الفتح دعوة بلسان القدرة

لم يكن السيف في الإسلام وسيلة لإكراه الناس على الإيمان، وإنما أداة لرفع الحواجز بين الدعوة والناس.
فحين كانت الدول والأنظمة تحجب دعوة التوحيد وتمنع الناس من سماع القرآن، جاء الفتح الإسلامي ليكسر تلك القيود، لا ليكره أحدًا على الدخول في الدين.
قال تعالى: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البقرة: 256].
فالفتح إذن وسيلة للبلاغ العالمي، لأن الإسلام لا يعرف حدودًا قومية أو طبقية، بل يخاطب الإنسانية كلها بلسان العدل والحرية.

سلوك الفاتحين… الحجة الأخلاقية الدامغة

يُخطئ ديورانت حين يقيس الفتح الإسلامي بسلوك الإمبراطوريات الرومانية أو الأوروبية، لأن الفاتحين المسلمين حملوا إلى الأمم نموذجًا أخلاقيًا غير مسبوق.
لقد دخل عمر بن الخطاب القدس حافيًا، وكتب لأهلها عهدًا بالأمان، وأوصى جنده ألا يهدموا كنيسة ولا يقتلوا راهبًا.
وحين فتح عمرو بن العاص مصر، أبقى بطركها “بنيامين” على رأس الكنيسة القبطية، بعد أن كان مختفيًا من بطش الرومان.
فأي توسعٍ هذا الذي يُعيد للناس كرامتهم، ويجعل من الفاتح حارسًا للحرية لا غازيًا طامعًا؟
إنه فتح الدعوة لا فتح الطمع.

الفكر الغربي وسوء الفهم المنهجي

لقد نظر ديورانت ومن سار على نهجه إلى الفتح من خلال المنهج المادي الغربي الذي يفسّر التاريخ بصراع المصالح، فأسقطوا ذلك على الإسلام ظنًا منهم أن كل توسّعٍ هو سياسيٌّ بالضرورة.
لكنهم غفلوا عن أن الإسلام عقيدة رسالية تحمل رؤية شاملة للإنسان والكون، وأن منطق الجهاد فيه ليس طلب السيادة، بل تحقيق الشهادة على الناس.
وما دام الإسلام دينًا عالميًا، فحركته في الأرض ليست توسعًا إمبراطوريًا، بل امتدادًا للرسالة التي قال الله عنها:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107].

النتائج التاريخية تكذّب الادعاء

لو كانت الفتوحات الإسلامية توسعًا سياسيًا، لما آمنت الأمم المفتوحة بعد الفاتحين، ولما حملت راية الإسلام إلى العالم.
لكن ما حدث هو العكس تمامًا: دخلت الشعوب في الإسلام طوعًا، وتحوّلت من بلاد مفتوحة إلى دولٍ فاتحة، كالأندلس وخراسان والهند، مما يدل على أن القوة كانت سبيلًا للبلاغ لا غاية للسيطرة.
وقد شهد بذلك المنصفون من الغربيين أنفسهم، مثل “توماس أرنولد” في كتابه الدعوة إلى الإسلام، إذ قال: لم يعرف التاريخ فاتحين أنبل ولا أرحم من العرب المسلمين.

 

 

روابط وكلمات مفتاحية
السابق
التالي
ذات صلة
قصة النبي مع أم معبد الخزاعية..
في طريق هجرة النبي ﷺ من مكة إلى المدينة، مر هو وصاحبه أبو بكر الصديق بخيمة أم معبد الخزاعية، وكانت امرأة...
المزيد »
محمد التهامي..
محمد التهامي واحدا من الشعراء الذين سخروا الكلمة لخدمة الإسلام، فتميز شعره بالروح الإيمانية والرسالة...
المزيد »
رفع الأذى خلق إسلامي يعكس الإيمان الحقيقي
رفع الأذى عن الشوارع والطرقات ليس مجرد سلوك حضاري فحسب، بل هو عبادة وقيمة إيمانية عظيمة حث عليها الإسلام،...
المزيد »
حكمة الخطيب واعتداله
تمتع الخطيب بالحكمة والاعتدال ضرورة أساسية لنجاح رسالته الدعوية، فهو بذلك يحمي المجتمع من الغلو والتشدد،...
المزيد »
دور الدعاة في حماية الشباب المسلم
مسؤولية الدعاة في محاربة الإلحاد مسؤولية عظيمة تتطلب العلم، والحكمة، والتجديد في الأسلوب، فحماية الشباب...
المزيد »
الخطاب الديني الواعي حصن الأمة ضد الأفكار الدخيلة المفسدة
الخطاب الديني الواعي يمثل خط الدفاع الأول في مواجهة الأفكار الدخيلة التي تستهدف شباب الأمة، فهو يحمي...
المزيد »
«لا إله إلا الله»
ليست "لا إله إلا الله" مجرد عبارة تُتلى بالألسن، ولا لفظًا يُردَّد في مواسم الذكر فحسب، بل هي أصل الدين،...
المزيد »
بين التنوير الإسلامي والتغريب الثقافي..
الهوية المعرفية لا تتشكل في الفراغ، بل تتطلب أولاً التحرر من ذلك المركب النفسي المزدوج الذي يُصيب كثيراً...
المزيد »
الفقه: معرفة الأحكام الشرعية عن طريق الإجتهاد 
الفقه في اللغة يعني الفهم العميق والإدراك الدقيق للأمور، أما في الاصطلاح الشرعي، فهو العلم بالأحكام الشرعية...
المزيد »
بين جالينوس والقرآن..
كان جالينوس وأسلافه من أطباء اليونان يسيرون في دروب التخمين والاستنتاج الحدسي، فذهب إلى أن الجنين يتشكل...
المزيد »
أمة تسأل عن حكم الله..
في زحام الحضارات وتشابك الهويات وتقاطع المرجعيات، تقف الأمة الإسلامية في موقع فريد لا تشاركها فيه أمة...
المزيد »
العملات الرقمية بين الجواز والتحريم..
اختلف العلماء المعاصرون في حكم العملات الرقمية، فبعضهم يرى التحريم بسبب ما تتضمنه من غرر شديد، وجهالة،...
المزيد »
اعتبار العادة عند الاطراد أو الغلبة..
أعطى الفقه الإسلامي للعادات والأعراف مكانة معتبرة في بعض الأحكام، خاصة في المعاملات والعلاقات الاجتماعية،...
المزيد »
الطلاق الثلاث بلفظ واحد في المذهب المالكي بائن بينونة كبرى
الطلاق الثلاث بلفظ واحد هو أن يقول الزوج لزوجته: "أنت طالق ثلاثًا" أو "أنت طالق بالثلاث" في مجلس واحد...
المزيد »
علم القراءات.. مراتب الرواية وضبط التلاوة عبر الأجيال
منذ أن نزل القرآن الكريم على النبي محمد صلى الله عليه وسلم مُرتَّلاً مُجوَّداً، انصرف العلماء إلى صونه...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك