السمعيّات.. الغيب الذي نؤمن به تسليمًا لا قياسًا

السمعيّات بابٌ جليل من أبواب أصول الدين، يقوم على الإيمان بما ثبت بالوحي من أمور الغيب التي لا سبيل إلى معرفتها بالعقل وحده. فهي حقائق لا تُدرك بالمشاهدة أو التجربة، بل تُتلقّى بالسمع عن الله...
السمعيّات.. الغيب الذي نؤمن به تسليمًا لا قياسًا

السمعيّات.. الغيب الذي نؤمن به تسليمًا لا قياسًا

السمعيّات بابٌ جليل من أبواب أصول الدين، يقوم على الإيمان بما ثبت بالوحي من أمور الغيب التي لا سبيل إلى معرفتها بالعقل وحده. فهي حقائق لا تُدرك بالمشاهدة أو التجربة، بل تُتلقّى بالسمع عن الله ورسوله، ومن هنا جاءت تسميتها “السمعيات”. وهي ميدان الامتحان الحقيقي للإيمان؛ إذ يُظهر فيها المؤمن صدق تسليمه وعمق يقينه بوحي الله تعالى.

معنى السمعيّات ومجالها

السمعيّات هي كل ما أخبر به القرآن الكريم والسنة النبوية من الغيب، مما لا يُدرك إلا بالخبر الصادق، مثل:

  • أحوال الدار الآخرة من بعثٍ وحشرٍ وجنةٍ ونار.
  • عالم الملائكة والجنّ والشياطين.
  • العرش والكرسي واللوح والقلم.
  • القدر والقضاء وأمارات الساعة.

فهذه القضايا لا تُدرك بالعقل المجرد، لأنها فوق حدود الحواس والتجربة، وإنما نؤمن بها إيمانًا جازمًا لتواتر خبرها وصدق مصدرها من الوحي المعصوم.

السمعيّات بين النقل والعقل

العقل في الإسلام وسيلةٌ لفهم النصوص، لا ميزانٌ لردّها، فإن كان في السمعيّات ما تحار فيه العقول فلا يُردّ، لأن الله تعالى قال:

«وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً» [الإسراء: 85].

فالإيمان بالسمعيات لا يعني تعطيل العقل، بل توقيفه عند حدوده، وإدراك أن الغيب من اختصاص علم الله، وأن وظيفة الإنسان تجاهه التسليم واليقين، لا الجدل والإنكار. ولهذا قال الإمام مالك رحمه الله في صفات الله: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة.”

أقسام السمعيات

يمكن تقسيم السمعيات إلى ثلاثة مجالات رئيسة:

  1. السمعيات الإلهية: وتشمل ما يتعلق بصفات الله وأفعاله الغيبية، كالاستواء، والنزول، والكلام، على الوجه الذي يليق بجلاله دون تمثيل ولا تعطيل.
  2. السمعيات الأخروية: وتشمل ما أخبر الله به عن القبر وعذابه ونعيمه، وعن البعث والنشور والحساب والميزان والصراط والجنة والنار.
  3. السمعيات الكونية: وتشمل الإيمان بالملائكة والجنّ، وما ورد في النصوص من أمورٍ غيبية تجري في الكون بأمر الله.
أثر الإيمان بالسمعيات في بناء العقيدة

الإيمان بالسمعيات يُثمر طمأنينة القلب وسمو الروح، ويغرس في النفس مراقبة الله واستحضار الدار الآخرة. فمن آمن بالملائكة ازداد خشيةً وطاعة، ومن أيقن بالجنة والنار زهد في الدنيا وسعى للنجاة، ومن صدّق بالبعث والحساب استقام سلوكه وعدل في قوله وفعله.
ولهذا كان الغيب محورًا أساسًا في القرآن، إذ يقول تعالى في وصف المؤمنين:

«الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون» [البقرة: 3].

السمعيات وموقف الفرق منها

اتفقت أهل السنة والجماعة على وجوب الإيمان بكل ما صحّ من السمعيات دون تأويلٍ ولا تعطيل، أما بعض الفرق الكلامية فقد خاضت بعقولها فيما وراء الحسّ، فحرّفت النصوص أو أنكرت بعضها، فوقعت في التناقض والاضطراب. والحق أن الغيب لا يُدرك إلا من طريق الخبر الصادق، ولا يُقاس بميزان التجربة والعادة.

السمعيات تربية للإيمان قبل أن تكون علمًا

حين يرسخ الإيمان بالسمعيات في قلب المؤمن، يعيش على بصيرة من أمره ووعي بآخرته، فيتعامل مع الحياة على ضوء الإيمان بالغيب، لا على منطق المصلحة العاجلة. فهو يرى في كل نعمة امتحانًا، وفي كل مصيبة حكمة، وفي كل غيب وعدًا أو وعيدًا.
وهكذا تُربّي السمعيات في القلب اليقين، والسكينة، والتسليم لله، وهي المقام الذي تتوازن فيه حدود العقل والإيمان.

إن السمعيات ليست بابًا للهروب من العقل، بل ميدانًا لإعلاء العقل بالإيمان، ولتذكير الإنسان بحدود علمه أمام علم الله، فكلما ازداد علمًا ازداد خشيةً وتسليمًا، كما قال تعالى:

«إنما يخشى اللهَ من عباده العلماء» [فاطر: 28].

روابط وكلمات مفتاحية
السابق
التالي
ذات صلة
قصة النبي مع أم معبد الخزاعية..
في طريق هجرة النبي ﷺ من مكة إلى المدينة، مر هو وصاحبه أبو بكر الصديق بخيمة أم معبد الخزاعية، وكانت امرأة...
المزيد »
محمد التهامي..
محمد التهامي واحدا من الشعراء الذين سخروا الكلمة لخدمة الإسلام، فتميز شعره بالروح الإيمانية والرسالة...
المزيد »
رفع الأذى خلق إسلامي يعكس الإيمان الحقيقي
رفع الأذى عن الشوارع والطرقات ليس مجرد سلوك حضاري فحسب، بل هو عبادة وقيمة إيمانية عظيمة حث عليها الإسلام،...
المزيد »
حكمة الخطيب واعتداله
تمتع الخطيب بالحكمة والاعتدال ضرورة أساسية لنجاح رسالته الدعوية، فهو بذلك يحمي المجتمع من الغلو والتشدد،...
المزيد »
دور الدعاة في حماية الشباب المسلم
مسؤولية الدعاة في محاربة الإلحاد مسؤولية عظيمة تتطلب العلم، والحكمة، والتجديد في الأسلوب، فحماية الشباب...
المزيد »
الخطاب الديني الواعي حصن الأمة ضد الأفكار الدخيلة المفسدة
الخطاب الديني الواعي يمثل خط الدفاع الأول في مواجهة الأفكار الدخيلة التي تستهدف شباب الأمة، فهو يحمي...
المزيد »
«لا إله إلا الله»
ليست "لا إله إلا الله" مجرد عبارة تُتلى بالألسن، ولا لفظًا يُردَّد في مواسم الذكر فحسب، بل هي أصل الدين،...
المزيد »
بين التنوير الإسلامي والتغريب الثقافي..
الهوية المعرفية لا تتشكل في الفراغ، بل تتطلب أولاً التحرر من ذلك المركب النفسي المزدوج الذي يُصيب كثيراً...
المزيد »
الفقه: معرفة الأحكام الشرعية عن طريق الإجتهاد 
الفقه في اللغة يعني الفهم العميق والإدراك الدقيق للأمور، أما في الاصطلاح الشرعي، فهو العلم بالأحكام الشرعية...
المزيد »
بين جالينوس والقرآن..
كان جالينوس وأسلافه من أطباء اليونان يسيرون في دروب التخمين والاستنتاج الحدسي، فذهب إلى أن الجنين يتشكل...
المزيد »
أمة تسأل عن حكم الله..
في زحام الحضارات وتشابك الهويات وتقاطع المرجعيات، تقف الأمة الإسلامية في موقع فريد لا تشاركها فيه أمة...
المزيد »
العملات الرقمية بين الجواز والتحريم..
اختلف العلماء المعاصرون في حكم العملات الرقمية، فبعضهم يرى التحريم بسبب ما تتضمنه من غرر شديد، وجهالة،...
المزيد »
اعتبار العادة عند الاطراد أو الغلبة..
أعطى الفقه الإسلامي للعادات والأعراف مكانة معتبرة في بعض الأحكام، خاصة في المعاملات والعلاقات الاجتماعية،...
المزيد »
الطلاق الثلاث بلفظ واحد في المذهب المالكي بائن بينونة كبرى
الطلاق الثلاث بلفظ واحد هو أن يقول الزوج لزوجته: "أنت طالق ثلاثًا" أو "أنت طالق بالثلاث" في مجلس واحد...
المزيد »
علم القراءات.. مراتب الرواية وضبط التلاوة عبر الأجيال
منذ أن نزل القرآن الكريم على النبي محمد صلى الله عليه وسلم مُرتَّلاً مُجوَّداً، انصرف العلماء إلى صونه...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك