الحركة النسوية.. من سؤال المساواة إلى صدام الفطرة

لم تولد الحركة النسوية في لحظةٍ واحدة، بل تخلّقت عبر قرونٍ من التململ داخل المجتمعات الغربية التي حملت في بنيتها تمييزًا اجتماعيًا واقتصاديًا ضد المرأة....
الغيرة بين الشقيقات

الحركة النسوية.. من سؤال المساواة إلى صدام الفطرة

لم تولد الحركة النسوية في لحظةٍ واحدة، بل تخلّقت عبر قرونٍ من التململ داخل المجتمعات الغربية التي حملت في بنيتها تمييزًا اجتماعيًا واقتصاديًا ضد المرأة. كانت البداية احتجاجًا صامتًا على القيود المفروضة على دورها في التعليم والعمل والميراث، ثم تحولت إلى تيارٍ فكري منظم يرى أن التاريخ كتبته السلطة الذكورية، وأن إصلاح العالم يبدأ من إعادة تعريف علاقة المرأة بالرجل.

البذور الأولى: من الثورة إلى الفكرة

ظهرت الإرهاصات الأولى للفكر النسوي في أوروبا خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر، مع صعود موجة التنوير التي رفعت شعار العقل والمساواة. ففي خضم التحولات السياسية الكبرى التي أنجبت الثورة الفرنسية، وُلدت أصوات نسائية تطالب بحقوقٍ مدنية ومساواةٍ قانونية مع الرجل، كان من أبرزها ماري وولستونكرافت التي ألّفت كتابها الشهير دفاع عن حقوق المرأة عام 1792، لتفتح الباب أمام الفكر النسوي في صورته الفلسفية الأولى.
لكن المجتمع الأوروبي آنذاك لم يكن مهيأً لاحتضان تلك الأفكار، فظلّت حبيسة النخبة المثقفة، إلى أن جاء القرن التاسع عشر، حيث تبلورت الحركة النسوية في شكلها السياسي والاجتماعي، مطالبةً بحق المرأة في التعليم والتصويت والملكية والعمل، وهي المرحلة التي اصطلح على تسميتها بـ الموجة الأولى من النسوية.

من المطالبة بالحقوق إلى إعادة تعريف المرأة

مع بدايات القرن العشرين، توسعت الحركة لتشمل قضايا أكثر عمقًا من المساواة القانونية، فبدأت النسويات في مساءلة البنية الاجتماعية والدينية والأخلاقية التي تضع المرأة في موقعٍ تابع. وهنا ظهرت الموجة الثانية من النسوية، التي انطلقت في الستينيات متأثرةً بالحركات التحررية في الغرب، فحملت شعارات “تحرير الجسد” و“الاستقلال الجنسي”، واعتبرت أن الدين والأعراف أدوات قمعٍ اجتماعي.
برزت في هذه الحقبة أسماء مثل سيمون دي بوفوار التي أعلنت في كتابها الجنس الآخر أن “المرأة لا تولد امرأة، بل تُصبح كذلك”، وهي العبارة التي شكلت حجر الزاوية في الفكر النسوي الوجودي، وجعلت الأنثى كائنًا يصنع ذاته بمعزل عن أي مرجعية فطرية أو دينية.

النسوية في ثوبها المعاصر

في أواخر القرن العشرين، دخلت النسوية مرحلة جديدة اتسمت بالتشظي الفكري، حيث انبثقت منها مدارس متعددة: النسوية الماركسية التي ربطت اضطهاد المرأة بالبنية الطبقية للرأسمالية، والنسوية الراديكالية التي طالبت بتفكيك النظام الأبوي برمّته، والنسوية ما بعد الحداثية التي أنكرت حتى مفهوم “الأنوثة” ذاته، معتبرةً إياه بناءً لغويًا اجتماعيًا يمكن تغييره أو تجاوزه.
ومع صعود العولمة الرقمية، اتخذت النسوية أشكالًا جديدة، إذ انتقلت من المنابر الفكرية إلى الفضاءات الإلكترونية، وارتبطت بحركات أوسع مثل “MeToo” وغيرها من الحملات التي أعادت صياغة الخطاب النسوي في قالبٍ إعلامي عابر للحدود.

الموقف الإسلامي من النشأة

في المقابل، نظر الفكر الإسلامي إلى هذه التحولات بوصفها نتاجًا لانحرافٍ حضاري نشأ عن غياب الوحي عن مائدة الفكر الغربي، فبينما كانت النسوية تسعى إلى إعادة خلق المرأة وفق تصورات بشرية متقلبة، كان الإسلام قد قرر مكانتها منذ أربعة عشر قرنًا بوصفها شريكة في التكليف والاستخلاف، لا تابعًا ولا خصمًا.
إن الإشكال في النسوية الغربية لم يكن في دفاعها عن كرامة المرأة، بل في انفصالها عن الفطرة التي توازن بين المساواة في الكرامة والاختلاف في الوظيفة، فصارت دعوةً لتقويض الأسرة لا لحمايتها، ولإلغاء الأنوثة لا لصونها.

روابط وكلمات مفتاحية
السابق
التالي
ذات صلة
قصة النبي مع أم معبد الخزاعية..
في طريق هجرة النبي ﷺ من مكة إلى المدينة، مر هو وصاحبه أبو بكر الصديق بخيمة أم معبد الخزاعية، وكانت امرأة...
المزيد »
محمد التهامي..
محمد التهامي واحدا من الشعراء الذين سخروا الكلمة لخدمة الإسلام، فتميز شعره بالروح الإيمانية والرسالة...
المزيد »
رفع الأذى خلق إسلامي يعكس الإيمان الحقيقي
رفع الأذى عن الشوارع والطرقات ليس مجرد سلوك حضاري فحسب، بل هو عبادة وقيمة إيمانية عظيمة حث عليها الإسلام،...
المزيد »
حكمة الخطيب واعتداله
تمتع الخطيب بالحكمة والاعتدال ضرورة أساسية لنجاح رسالته الدعوية، فهو بذلك يحمي المجتمع من الغلو والتشدد،...
المزيد »
دور الدعاة في حماية الشباب المسلم
مسؤولية الدعاة في محاربة الإلحاد مسؤولية عظيمة تتطلب العلم، والحكمة، والتجديد في الأسلوب، فحماية الشباب...
المزيد »
الخطاب الديني الواعي حصن الأمة ضد الأفكار الدخيلة المفسدة
الخطاب الديني الواعي يمثل خط الدفاع الأول في مواجهة الأفكار الدخيلة التي تستهدف شباب الأمة، فهو يحمي...
المزيد »
«لا إله إلا الله»
ليست "لا إله إلا الله" مجرد عبارة تُتلى بالألسن، ولا لفظًا يُردَّد في مواسم الذكر فحسب، بل هي أصل الدين،...
المزيد »
بين التنوير الإسلامي والتغريب الثقافي..
الهوية المعرفية لا تتشكل في الفراغ، بل تتطلب أولاً التحرر من ذلك المركب النفسي المزدوج الذي يُصيب كثيراً...
المزيد »
الفقه: معرفة الأحكام الشرعية عن طريق الإجتهاد 
الفقه في اللغة يعني الفهم العميق والإدراك الدقيق للأمور، أما في الاصطلاح الشرعي، فهو العلم بالأحكام الشرعية...
المزيد »
بين جالينوس والقرآن..
كان جالينوس وأسلافه من أطباء اليونان يسيرون في دروب التخمين والاستنتاج الحدسي، فذهب إلى أن الجنين يتشكل...
المزيد »
أمة تسأل عن حكم الله..
في زحام الحضارات وتشابك الهويات وتقاطع المرجعيات، تقف الأمة الإسلامية في موقع فريد لا تشاركها فيه أمة...
المزيد »
العملات الرقمية بين الجواز والتحريم..
اختلف العلماء المعاصرون في حكم العملات الرقمية، فبعضهم يرى التحريم بسبب ما تتضمنه من غرر شديد، وجهالة،...
المزيد »
اعتبار العادة عند الاطراد أو الغلبة..
أعطى الفقه الإسلامي للعادات والأعراف مكانة معتبرة في بعض الأحكام، خاصة في المعاملات والعلاقات الاجتماعية،...
المزيد »
الطلاق الثلاث بلفظ واحد في المذهب المالكي بائن بينونة كبرى
الطلاق الثلاث بلفظ واحد هو أن يقول الزوج لزوجته: "أنت طالق ثلاثًا" أو "أنت طالق بالثلاث" في مجلس واحد...
المزيد »
علم القراءات.. مراتب الرواية وضبط التلاوة عبر الأجيال
منذ أن نزل القرآن الكريم على النبي محمد صلى الله عليه وسلم مُرتَّلاً مُجوَّداً، انصرف العلماء إلى صونه...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك