الإنسان في مرآة القرآن..

بين حقيقة الضعف ونور الهداية

يعيد القرآن تعريف الإنسان لا بوصفه كائنًا مكتملًا في ذاته، بل مشروعًا مفتوحًا على الكمال، لا يتحقق إلا حين يسير في ضوء الهداية، ويستنير بنور الإيمان، فيتحول من موضع الذم إلى مقام الثناء، ومن ضيق...
الإنسان في مرآة القرآن..

الإنسان في مرآة القرآن..

بين حقيقة الضعف ونور الهداية

حين يتأمل القارئ ألفاظ القرآن الكريم، يلحظ أن اختيار الألفاظ ليس عفويًا ولا اعتباطيًا، بل هو تنزيل حكيم يكشف حقائق النفس البشرية بصدق لا مجاملة فيه. ومن تلك الألفاظ التي تكررت في سياق لافت لفظ “الإنسان”، حيث يرد غالبًا في معرض الذم، كاشفًا عن طبيعة مركبة يغلب عليها الضعف والاضطراب إذا تُركت لهواها. يقول الله تعالى: “إن الإنسان خُلق هلوعًا، إذا مسه الشر جزوعًا، وإذا مسه الخير منوعًا”، ويقول: “والعصر، إن الإنسان لفي خسر”، ويقول: “قُتل الإنسان ما أكفره”.
هذه الآيات لا ترسم صورة سوداء لخلق الله بقدر ما تضع اليد على مكمن الداء؛ فالإنسان، من حيث طبيعته المجردة، كائن قلق، سريع الانفعال، ضعيف أمام تقلبات الحياة، يميل إلى الشح إذا أُعطي، وإلى الجزع إذا ابتُلي. إنها حقيقة نفسية عميقة، لو أُهملت أو جُهلت، ضاع الإنسان في متاهات ذاته.

بين “الإنسانية” والمدح الموهوم

وفي ضوء هذا التصوير القرآني، يثور تساؤل مهم: كيف أصبح وصف “الإنسانية” في الخطاب المعاصر عنوانًا للمدح المطلق؟ كيف يُثنى على المرء بأنه “إنسان” أو “صاحب إنسانية”، وكأن هذا الوصف في ذاته كمال مكتمل؟
إن القرآن يعيد ترتيب المفاهيم؛ فمجرد “الإنسانية” المجردة عن الهداية الربانية لا تحمل في ذاتها قيمة مدحية، بل قد تكون وصفًا لحال ناقص، لم يتهذب بنور الوحي، ولم يُقوّم بميزان الإيمان. فليس كل ما يصدر عن الإنسان محمودًا، بل الأصل – كما تقرره النصوص – أن الإنسان محتاج إلى تهذيب وتزكية، وإلا انحدر إلى دركات من الأنانية والجحود.
وهنا يظهر الخلل في بعض التصورات الحديثة التي ترفع “الإنسانية” إلى مرتبة المعيار الأعلى، بمعزل عن الدين، فتجعل من العاطفة المجردة أو السلوك الظاهري ميزانًا للقيمة، بينما يغيب عنها أن هذه “الإنسانية” قد تنقلب إلى أداة هوى، إذا لم تضبطها شريعة ولا يهذبها إيمان.

الاستثناء القرآني… طريق النجاة

غير أن القرآن، وهو يكشف هذا الضعف، لا يترك الإنسان أسيرًا له، بل يفتح له باب الخروج، ويرسم له معالم النجاة. ففي كل موضع ذم، يأتي الاستثناء كنافذة نور، تُبيّن أن الإنسان ليس محكومًا بطبيعته الأولى، بل قادر على الارتقاء.
في سورة المعارج، بعد وصف الهلع والجزع والمنع، يأتي الاستثناء: “إلا المصلين”، أولئك الذين ربطوا قلوبهم بالله، فاستمدوا منه السكينة والثبات. وفي سورة العصر، بعد الحكم العام بالخسران، يبرز الاستثناء: “إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر”، وكأن النجاة مشروع متكامل، يقوم على الإيمان والعمل، وعلى بناء الذات وبناء المجتمع معًا.
إن هذه الاستثناءات ليست مجرد تفصيل، بل هي جوهر الرسالة؛ فهي تؤكد أن الإنسان لا يُمدح لذاته، بل لما يكتسبه من صفات الإيمان، وما يتحقق به من معاني العبودية.

الهداية… الشرط الضروري لاكتمال الإنسان

من هنا تتضح حقيقة كبرى: أن الإنسان لا يكتمل إلا بالهداية، ولا يستقيم إلا بالتوجيه الرباني، فالدين ليس قيدًا على إنسانية الإنسان، بل هو الذي يمنحها معناها الصحيح، ويحررها من انحرافات الهوى. إن الإيمان لا يُلغي مشاعر الرحمة، بل يهذبها، ولا يُضعف نوازع الخير، بل يوجهها نحو غاياتها السامية.
وحين ينفصل الإنسان عن هذا المصدر الإلهي، يبقى أسير تقلباته، تتجاذبه المصالح، وتتحكم فيه الشهوات، فيصدق عليه وصف القرآن: هلوع، جزوع، منوع، أما إذا اتصل بربه، وسار على هدي الوحي، فإنه يرتقي من مجرد “إنسان” إلى عبد صالح، يحمل من القيم ما يجعله جديرا بالتكريم.
وهكذا يعيد القرآن تعريف الإنسان لا بوصفه كائنًا مكتملًا في ذاته، بل مشروعًا مفتوحًا على الكمال، لا يتحقق إلا حين يسير في ضوء الهداية، ويستنير بنور الإيمان، فيتحول من موضع الذم إلى مقام الثناء، ومن ضيق الطبيعة إلى سعة العبودية.

روابط وكلمات مفتاحية
السابق
التالي
ذات صلة
قصة النبي مع أم معبد الخزاعية..
في طريق هجرة النبي ﷺ من مكة إلى المدينة، مر هو وصاحبه أبو بكر الصديق بخيمة أم معبد الخزاعية، وكانت امرأة...
المزيد »
محمد التهامي..
محمد التهامي واحدا من الشعراء الذين سخروا الكلمة لخدمة الإسلام، فتميز شعره بالروح الإيمانية والرسالة...
المزيد »
رفع الأذى خلق إسلامي يعكس الإيمان الحقيقي
رفع الأذى عن الشوارع والطرقات ليس مجرد سلوك حضاري فحسب، بل هو عبادة وقيمة إيمانية عظيمة حث عليها الإسلام،...
المزيد »
حكمة الخطيب واعتداله
تمتع الخطيب بالحكمة والاعتدال ضرورة أساسية لنجاح رسالته الدعوية، فهو بذلك يحمي المجتمع من الغلو والتشدد،...
المزيد »
دور الدعاة في حماية الشباب المسلم
مسؤولية الدعاة في محاربة الإلحاد مسؤولية عظيمة تتطلب العلم، والحكمة، والتجديد في الأسلوب، فحماية الشباب...
المزيد »
الخطاب الديني الواعي حصن الأمة ضد الأفكار الدخيلة المفسدة
الخطاب الديني الواعي يمثل خط الدفاع الأول في مواجهة الأفكار الدخيلة التي تستهدف شباب الأمة، فهو يحمي...
المزيد »
«لا إله إلا الله»
ليست "لا إله إلا الله" مجرد عبارة تُتلى بالألسن، ولا لفظًا يُردَّد في مواسم الذكر فحسب، بل هي أصل الدين،...
المزيد »
بين التنوير الإسلامي والتغريب الثقافي..
الهوية المعرفية لا تتشكل في الفراغ، بل تتطلب أولاً التحرر من ذلك المركب النفسي المزدوج الذي يُصيب كثيراً...
المزيد »
الفقه: معرفة الأحكام الشرعية عن طريق الإجتهاد 
الفقه في اللغة يعني الفهم العميق والإدراك الدقيق للأمور، أما في الاصطلاح الشرعي، فهو العلم بالأحكام الشرعية...
المزيد »
بين جالينوس والقرآن..
كان جالينوس وأسلافه من أطباء اليونان يسيرون في دروب التخمين والاستنتاج الحدسي، فذهب إلى أن الجنين يتشكل...
المزيد »
أمة تسأل عن حكم الله..
في زحام الحضارات وتشابك الهويات وتقاطع المرجعيات، تقف الأمة الإسلامية في موقع فريد لا تشاركها فيه أمة...
المزيد »
العملات الرقمية بين الجواز والتحريم..
اختلف العلماء المعاصرون في حكم العملات الرقمية، فبعضهم يرى التحريم بسبب ما تتضمنه من غرر شديد، وجهالة،...
المزيد »
اعتبار العادة عند الاطراد أو الغلبة..
أعطى الفقه الإسلامي للعادات والأعراف مكانة معتبرة في بعض الأحكام، خاصة في المعاملات والعلاقات الاجتماعية،...
المزيد »
الطلاق الثلاث بلفظ واحد في المذهب المالكي بائن بينونة كبرى
الطلاق الثلاث بلفظ واحد هو أن يقول الزوج لزوجته: "أنت طالق ثلاثًا" أو "أنت طالق بالثلاث" في مجلس واحد...
المزيد »
علم القراءات.. مراتب الرواية وضبط التلاوة عبر الأجيال
منذ أن نزل القرآن الكريم على النبي محمد صلى الله عليه وسلم مُرتَّلاً مُجوَّداً، انصرف العلماء إلى صونه...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك