إسلام جبير بن مطعم..

قدم إلى المدينة مفاوضا بصنيع أبيه فوقع القرآن في قلبه

أسلم جبير بن مطعم إسلاماً عميق الجذور، وصار من الصحابة الكرام الذين يُروى عنهم العلم، وكان يُعدّ من أنسب العرب وأعلمهم بأيام قريش وأخبار العرب، حتى إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يستشيره...
إسلام جبير بن مطعم..

إسلام جبير بن مطعم..

قدم إلى المدينة مفاوضا بصنيع أبيه فوقع القرآن في قلبه

كانت بدر قد أخذت من قريش ما أخذت، سبعون قتيلاً من سادتها وكبرائها تركوا في قليب موحش، وسبعون آخرون في أيدي المسلمين أسرى يُفاوَض على حياتهم وفدائهم. وفي هذا الأجواء المكتنزة بالغضب والمرارة، كان لا بد لقريش من رجل يملك عقلاً بارداً وكلمة مسموعة، رجل يستطيع أن يعبر إلى يثرب مفاوضاً لا مقاتلاً. فوقع الاختيار على جبير بن مطعم، سيد من سادات قريش، وسليل بيت العقد والحل والكرم.

قريش تُرسل أكرم رجالها

لم يكن جبير بن مطعم ابن عدي اختياراً عشوائياً. فهو ابن مطعم بن عدي، الرجل الذي أجار النبي صلى الله عليه وسلم حين عاد من الطائف مكسور الخاطر مرفوضاً، فمشى في جوار أبيه مطعم إلى الكعبة إعلاناً أمام العرب جميعاً أن من يتعرض لمحمد فإنما يتعرض لبني نوفل.
ولم ينسَ النبي صنيع مطعم، حتى قال يوم بدر وهو ينظر إلى الأسرى: “لو كان مطعم بن عدي حياً ثم كلّمني في هؤلاء الجرباء لتركتهم له”، و كان جبير يحمل إذن إرثاً ثقيلاً من المروءة والكرم، وكانت قريش تعرف أن النبي سيُكرمه ويُصغي إليه.
جاء جبير إلى المدينة وفي نفسه ما فيها من جاهلية راسخة وعداوة موروثة، فلم يكن جاء مستفسراً عن دين ولا باحثاً عن حقيقة، بل جاء يُفاوض في أسرى بدر، وكان من بينهم عمه أو من يصله من أسياد قريش. جاء بقلب مغلق وعقل محكم الأبواب، مكتفياً بمهمته الدنيوية العاجلة.

صلاة المغرب وآيات تشق حجاب القلب

وتلك هي حكمة الله التي لا يُفقه كنهها. فالرجل الذي جاء تاجراً مفاوضاً وجد نفسه في لحظة غير محسوبة في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، يسمع صوت الصلاة يُعلن وقت المغرب، وربما كانت الأمور لا تحتمل الانتظار، أو ربما دفعه فضول عربي أصيل إلى أن يقف وينظر. وقف جبير في أطراف المسجد، غريباً لم يأتِ ليصلي ولم يأتِ ليسمع، ووجد النبي يقرأ في صلاة المغرب بسورة الطور.
وبدأت الآيات تتساقط على قلبه كالمطر على أرض قاحلة. سمع قوله تعالى: “أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ، أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، بَل لَّا يُوقِنُونَ، أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ”. كانت هذه أسئلة ما طُرحت من قبل بهذا الوضوح وبهذا الاستفزاز الهادئ للعقل. أسئلة تنسف من تحت القدمين كل ما قام عليه المنطق الجاهلي من تبريرات واهية.
يروي جبير بن مطعم هذه اللحظة بنفسه فيقول: “كاد قلبي أن يطير”. ليس مبالغةً في وصف الدهشة، بل تعبيراً صادقاً عمّا يحدث حين يُصيب الحق قلباً فيه بقية من فطرة سليمة. كان رجلاً من أكثر العرب معرفةً بأشعارهم وخطبهم وأنساب قبائلهم، وأدرك في تلك اللحظة أن ما يسمعه لا يشبه شيئاً سمعه من قبل. لا في نظمه ولا في معناه ولا في أثره في النفس.

الحجة التي لا تُردّ

والمدهش في منطق سورة الطور أنه يأخذ المتأمل من يده ليضعه أمام حقيقة واحدة لا مهرب منها: إما أن تكون لهذا الوجود خالق مدبّر، وإما أن تكون مخلوقات خلقت نفسها من عدم، وإما أن تكون هي ذاتها الخالقة. والعقل الذي لم يستسلم للهوى يعرف أن الاحتمالَين الأخيرَين محال. فإذا ثبت الخالق، ثبت الحساب، وإذا ثبت الحساب، وجبت العبودية.
كان جبير بن مطعم أمام هذا المنطق القرآني كأديب يُلقى إليه شعر لم يسمع بمثله. إلا أن الأمر كان أعمق من ذلك بكثير. ذلك أن الشعر يطرب الأذن ويُحرّك المشاعر، أما القرآن فإنه يتجاوز الأذن ليُخاطب ما هو أعمق، يُخاطب تلك البقية من الفطرة التي لا يستطيع الإنسان مهما ران على قلبه أن يطمسها كلياً.
وفي تلك الليلة، انصرف جبير بن مطعم وفي صدره شيء لم يكن فيه حين جاء. لم يُسلم بعدُ، فالإسلام رحلة وليس لحظة واحدة. لكن القدح قد سقط في الهشيم. وكانت تلك البذرة التي زرعها القرآن في قلبه تلك الليلة، بذرةً ستجد طريقها يوماً إلى التفتح.

من عدوّ يفاوض إلى مسلم يروي

أسلم جبير بن مطعم فيما بعد، وأسلم إسلاماً عميق الجذور. وصار من الصحابة الكرام الذين يُروى عنهم العلم. وكان يُعدّ من أنسب العرب وأعلمهم بأيام قريش وأخبار العرب، حتى إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يستشيره في أنساب القبائل. وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث جليلة، وأصبح اسمه مقروناً بالعلم والثقة والتحمّل.
ولعل أعمق ما في هذه القصة هو تلك اللحظة التي يقف فيها المرء أمام الحق فلا يملك إلا أن يعترف، كان جبير قد جاء إلى المدينة بكل سلاح العداوة والتحيّز والتعصب القبلي، لكن القرآن كان أقوى من كل ذلك. لم يُجادله أحد ولم يدعه أحد ولم يُلزمه أحد. فعل القرآن وحده ما لا يفعله جدل العقول حين يُصيب قلباً فيه بقية صدق.
وهكذا كانت بدر التي أراد جبير أن ينسى فيها هزيمة قريش ويسترد فيها أسراها، هي ذاتها النقطة التي انعطف عندها طريقه نحو الإسلام. أراد أن يُخلّص أسرى قريش، فأنقذ القرآن روحه. وتلك مفارقة ما كان يخطر لرجل من رجال قريش أن تقع.

روابط وكلمات مفتاحية
السابق
التالي
ذات صلة
قصة النبي مع أم معبد الخزاعية..
في طريق هجرة النبي ﷺ من مكة إلى المدينة، مر هو وصاحبه أبو بكر الصديق بخيمة أم معبد الخزاعية، وكانت امرأة...
المزيد »
محمد التهامي..
محمد التهامي واحدا من الشعراء الذين سخروا الكلمة لخدمة الإسلام، فتميز شعره بالروح الإيمانية والرسالة...
المزيد »
رفع الأذى خلق إسلامي يعكس الإيمان الحقيقي
رفع الأذى عن الشوارع والطرقات ليس مجرد سلوك حضاري فحسب، بل هو عبادة وقيمة إيمانية عظيمة حث عليها الإسلام،...
المزيد »
حكمة الخطيب واعتداله
تمتع الخطيب بالحكمة والاعتدال ضرورة أساسية لنجاح رسالته الدعوية، فهو بذلك يحمي المجتمع من الغلو والتشدد،...
المزيد »
دور الدعاة في حماية الشباب المسلم
مسؤولية الدعاة في محاربة الإلحاد مسؤولية عظيمة تتطلب العلم، والحكمة، والتجديد في الأسلوب، فحماية الشباب...
المزيد »
الخطاب الديني الواعي حصن الأمة ضد الأفكار الدخيلة المفسدة
الخطاب الديني الواعي يمثل خط الدفاع الأول في مواجهة الأفكار الدخيلة التي تستهدف شباب الأمة، فهو يحمي...
المزيد »
«لا إله إلا الله»
ليست "لا إله إلا الله" مجرد عبارة تُتلى بالألسن، ولا لفظًا يُردَّد في مواسم الذكر فحسب، بل هي أصل الدين،...
المزيد »
بين التنوير الإسلامي والتغريب الثقافي..
الهوية المعرفية لا تتشكل في الفراغ، بل تتطلب أولاً التحرر من ذلك المركب النفسي المزدوج الذي يُصيب كثيراً...
المزيد »
الفقه: معرفة الأحكام الشرعية عن طريق الإجتهاد 
الفقه في اللغة يعني الفهم العميق والإدراك الدقيق للأمور، أما في الاصطلاح الشرعي، فهو العلم بالأحكام الشرعية...
المزيد »
بين جالينوس والقرآن..
كان جالينوس وأسلافه من أطباء اليونان يسيرون في دروب التخمين والاستنتاج الحدسي، فذهب إلى أن الجنين يتشكل...
المزيد »
أمة تسأل عن حكم الله..
في زحام الحضارات وتشابك الهويات وتقاطع المرجعيات، تقف الأمة الإسلامية في موقع فريد لا تشاركها فيه أمة...
المزيد »
العملات الرقمية بين الجواز والتحريم..
اختلف العلماء المعاصرون في حكم العملات الرقمية، فبعضهم يرى التحريم بسبب ما تتضمنه من غرر شديد، وجهالة،...
المزيد »
اعتبار العادة عند الاطراد أو الغلبة..
أعطى الفقه الإسلامي للعادات والأعراف مكانة معتبرة في بعض الأحكام، خاصة في المعاملات والعلاقات الاجتماعية،...
المزيد »
الطلاق الثلاث بلفظ واحد في المذهب المالكي بائن بينونة كبرى
الطلاق الثلاث بلفظ واحد هو أن يقول الزوج لزوجته: "أنت طالق ثلاثًا" أو "أنت طالق بالثلاث" في مجلس واحد...
المزيد »
علم القراءات.. مراتب الرواية وضبط التلاوة عبر الأجيال
منذ أن نزل القرآن الكريم على النبي محمد صلى الله عليه وسلم مُرتَّلاً مُجوَّداً، انصرف العلماء إلى صونه...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك