![]()

دعوة الإسلام إلى التراحم
الرحمة صفة من صفات الله تعالى، وهي من الأخلاق القرآنية العظيمة التي كانت لها العناية الكبرى في القرآن الكريم من حيث ذكرها، لما لها من عظيمِ الأثرِ في الحياة الدينية والدنيوية.
الهوية الإسلامية نسيج متكامل تتشابك فيه العقيدة مع السلوك، والتاريخ مع الحاضر، والقيم مع المظاهر. إنها الروح التي تحفظ للأمة توازنها، وتحمي ذاكرتها من التآكل، وتصون موروثها من الذوبان في تيارات العولمة الجارفة. وإذا كانت الأمم تُقاس بمدى تمسكها بجذورها، فإن الأمة الإسلامية إنما تستمد قوتها من رسوخ هويتها التي صنعت حضارتها ووجّهت مسيرتها عبر القرون.
لقد حملت الهوية الإسلامية عبر التاريخ إرثًا حضاريًا عظيمًا، لم يكن مقصورًا على العلوم الشرعية فحسب، بل شمل ميادين الفكر والعلم والفن والسلوك.
هذا الميراث لم يتكوّن اعتباطًا، بل تشكّل في ظل منظومة قيمية راسخة، جعلت من الإنسان المسلم كائنًا متوازنًا بين المادة والروح، وبين الدنيا والآخرة. ومن هنا، فإن الحفاظ على هذا الموروث ليس ترفًا ثقافيًا، بل هو ضرورة وجودية تضمن استمرار الأمة في أداء رسالتها.
إن أخطر ما يهدد هذا الإرث هو الانفصال التدريجي بين الأجيال وهويتهم، حين يُربّى الناشئة على أن الماضي عبء، وأن التراث عائق، وأن التقدم لا يتحقق إلا بالتخلص من كل ما هو أصيل. وهنا تتسلل محاولات العبث بالهوية، فتُمسخ المفاهيم، وتُفرّغ الرموز من دلالاتها، ويُعاد تشكيل الوعي وفق قوالب مستوردة لا تنسجم مع طبيعة الأمة ولا مع رسالتها.
لا تأتي محاولات طمس الهوية الإسلامية في صورة صدام مباشر دائمًا، بل كثيرًا ما تتخفى في ثوب التحديث أو الانفتاح أو الحرية الشخصية. تُطرح نماذج ثقافية وسلوكية على أنها معيار التحضر، بينما يُصوّر الالتزام بالقيم الإسلامية على أنه تخلّف أو انغلاق. وهنا يقع بعض أبناء الأمة في فخ التقليد الأعمى، فيتخلون عن خصوصيتهم دون وعي، ويذوبون في أنماط لا تعبر عنهم.
ومن أخطر هذه الآليات ما يستهدف المظهر العام، باعتباره أحد أبرز تجليات الهوية. فالزيّ، والهيئة، وطريقة الكلام، بل حتى تفاصيل الحياة اليومية، تتحول إلى ساحات صراع خفي بين الأصالة والتبعية، وحين يُفرّغ المظهر من معناه القيمي، يصبح مجرد تقليد أجوف، لا يعكس انتماءً ولا يعبّر عن رسالة.
إن المظهر العام ليس قضية شكلية سطحية كما قد يُظن، بل هو لغة صامتة تعبّر عن الانتماء، وتترجم القيم إلى واقع مرئي. فكما أن لكل أمة طابعها الذي يميزها، فإن للأمة الإسلامية سماتها التي تعكس وقارها واعتدالها وخصوصيتها. ولا يعني ذلك الجمود أو رفض كل جديد، بل المقصود أن يكون التفاعل مع المستجدات منضبطًا بميزان الهوية، لا ذوبانًا فيها.
لقد أدركت قوى التأثير الثقافي خطورة هذا الجانب، فسعت إلى إعادة تشكيل الذوق العام، بحيث يصبح الغريب مألوفًا، والمألوف مستغربًا. ومع تكرار المشهد، يفقد الإنسان حساسيته تجاه التغير، حتى يجد نفسه وقد تخلّى عن كثير من ملامح هويته دون أن يشعر. ومن هنا تأتي أهمية الوعي، الذي يُعيد للمظهر معناه، ويجعله امتدادًا للجوهر لا انفصالًا عنه.
إن الوقوف أمام محاولات العبث بالهوية لا يتحقق بالشعارات وحدها، بل يتطلب مشروعًا متكاملًا يبدأ من بناء الوعي وينتهي بترسيخ السلوك. أولى خطوات هذا المشروع هي إعادة الاعتزاز بالهوية الإسلامية، ليس بوصفها ماضيًا يُتغنّى به، بل حاضرًا يُعاش ومستقبلًا يُبنى. وهذا يقتضي تقديم الهوية في صورتها الحقيقية: متوازنة، مرنة، قادرة على التفاعل دون أن تفقد ذاتها.
كما أن التربية تلعب دورًا محوريًا في هذا السياق، إذ ينبغي غرس القيم في النفوس منذ الصغر، وربط الأجيال بموروثهم ربطًا حيًا، لا مجرد معلومات جامدة. ويأتي دور الإعلام والثقافة في تعزيز هذا الاتجاه، من خلال تقديم نماذج إيجابية تعكس جمال الهوية وقوتها، بدلًا من الترويج لنماذج مشوهة تُكرّس الاغتراب.
أما على المستوى الفردي، فإن المسؤولية تبدأ من إدراك قيمة الانتماء، والحرص على أن يكون السلوك – ظاهرًا وباطنًا – معبرًا عن هذه الهوية. فالتوازن بين الأصالة والانفتاح هو السبيل إلى النجاة من الإفراط والتفريط؛ فلا انغلاق يعزل عن العالم، ولا ذوبان يلغي الذات.

الرحمة صفة من صفات الله تعالى، وهي من الأخلاق القرآنية العظيمة التي كانت لها العناية الكبرى في القرآن الكريم من حيث ذكرها، لما لها من عظيمِ الأثرِ في الحياة الدينية والدنيوية.

الإصرار على نشر تفاصيل الجرائم الأخلاقية، خصوصًا تلك التي تمسّ الحياء العام أو تخدش الفطرة السليمة، لا يقف عند حدود “نقل الخبر”، بل يتجاوزه – في كثير من الأحيان – إلى إعادة إنتاجه في وعي الناس، فالإفراط في تداول الفاحشة، ووصفها بتفاصيلها، وتكرار عرضها في سياقات مختلفة، يؤدي إلى تطبيعها نفسيًا، حتى وإن كان ظاهر الطرح يحمل نبرة الاستنكار، ذلك أن النفس البشرية تألف ما يتكرر أمامها، وتعتاد ما يُعرض عليها بكثافة، فيضعف شعور الصدمة، وتخبو جذوة الرفض.

لا ينبغي أن تختلط عليك الأمور، فلو رأيت عالما أو غيره يخالف الشرع، فلا اعتبار لمخالفته، ولا اتباع لقوله، وإنما الواجب عليك رفض فعله، ونبذ قوله، واتباع شرع الله تعالى فالحق أحق أن يتبع.

لم يعد الخطاب الديني اليوم معزولًا عن التحولات الكبرى التي يشهدها العالم، وفي مقدمتها التحول الرقمي الذي أعاد تشكيل أنماط التواصل، وطرق إنتاج المعرفة، وأساليب التأثير في الوعي الفردي والجماعي. فقد انتقلت المنابر من المساجد وقاعات الدرس إلى الفضاء الرقمي، وأصبح الخطاب الديني حاضرًا في الهواتف الذكية، ومنصات التواصل الاجتماعي، والبث المباشر، مما فرض واقعًا جديدًا يستدعي فهمًا أعمق لدور هذا الخطاب وحدوده ومسؤوليته.

لا يمكن أن يبقى القول حبيس سياقه، ولا الفكرة أسيرة بيئتها الأولى، بل إن العبارات تُقتطع من جذورها، وتُتداول في فضاءات واسعة دون تمحيصٍ كافٍ لمصدرها أو خلفيتها، وفي هذا المشهد المتشابك، يبرز سؤال دقيق يتصل بسلامة المنهج قبل جمال العبارة: هل كل ما صحّ معناه يُؤخذ، ولو صدر عن غير أهل السنة أو عُرف قائله بالبدعة والانحراف؟

لم يكن الخلاف العقدي في تاريخ المسلمين، في جوهره، ساحة صراع وجودي بقدر ما كان ميدانًا لاجتهادات علمية نشأت في سياقات فكرية متباينة، وتفاعلت مع تحديات عصرها، وعبّرت عن تنوّع في طرائق البيان والدفاع عن أصول الدين.



