جهاز الحليب وأحكام الرضاع

ما الحكم إذا قامت امرأة مطلقة، أو بكر لم يسبق لها الزواج بإرضاع طفل يتيم رضاعة طبيعية بمساعدة جهاز إدرار الحليب (جهاز الرضاعة)؟ هل تصير أمه في الرضاعة؟ وهل ترثه ويرثها في حالة الموت؟...

جهاز الحليب وأحكام الرضاع

س
ما الحكم إذا قامت امرأة مطلقة، أو بكر لم يسبق لها الزواج بإرضاع طفل يتيم رضاعة طبيعية بمساعدة جهاز إدرار الحليب (جهاز الرضاعة)؟ هل تصير أمه في الرضاعة؟ وهل ترثه ويرثها في حالة الموت؟
جــــ

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه. (وبعد)

فقد سبق أن أجبنا عن هذا السؤال فيما يخص المرأة المتزوجة، وقلنا: إذا ترتب على استخدام ” جهاز الرضاعة” والأدوية إدرار اللبن، وتم إرضاع الطفل خمس رضعات مشبعات، فيترتب على هذا الإرضاع آثاره من تحريم الزواج، وعدم وجوب الحجاب على المحرمات من الرضاع. على أن زوج المرأة لا يعتبر أبا للرضيع، لأن  اللبن لم ينتج عن حمل ووضع تسبب فيهما، ولكنه نتج على الجهاز والحبوب، ولكن يعتبر زوج أمه وهو بمقام أبيه، ويعتبر الرضيع ربيبه أو ربيبته من الرضاع.

وقد يُستغرب هذا الأمر بالنسبة للمرأة المطلقة، وأكثر منه بالنسبة للبكر التي لم يسبق لها الزواج، والحقيقة أن استعمال جهاز الحليب تستوي فيه المرأة المتزوجة التي لم تنجب من قبل، والمطلقة والأرملة اللتين جف لبنهما، والبكر التي ليس من شأنها أن يكون لها لبن، إذ إدرار الحليب هنا لم يترتب على الحمل، ولكنه ناتج عن استخدام الجهاز، وحبوب إدرار اللبن، التي تزيد هرمونات معينة لإدرار اللبن، والتي تزيد طبيعيا في جسد المرأة الحامل.

وعلى ذلك فما أجبنا به في شأن المرأة المتزوجة، نجيب به هنا، فإذا در اللبن، وتم إرضاع الطفل خمس رضعات مشبعات، ترتبت عليه آثاره.

ومن العجيب أن فقهاءنا القدامى ناقشوا هذه القضية، رغم غرابتها – بالنسبة لعصرهم على الأقل – فيرى الحنابلة أن لبن البكر أو أي امرأة لم يسبق لها الحمل، سواء كانت زوجة أو مطلقة أو أرملة، لا ينشر الحرمة.

قال في الإقناع: ” وإن ثاب لبن لمَن – أي امرأة – لم تحمل قبل، أن ثاب لبنها، ولو حمل مثلها، لم ينشر الحرمة نصا في لبن البكر، كلبن رجل، وكذا لبن خنثي مشكل، ولبن بهيمة، فلا ينشرالمحرمية بلا نزاع في لبن البهيمة”[1].

وجمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية يرتبون آثار الرضاع عليه إذا تم من أي امرأة كانت، وقد بنوَا هذا الحكم على عموم النصوص الواردة في الإرضاع من غير تحديد وصف المرضعة، وعلى أن اللبن جزء من المرأة سواء كانت بكرا أو مطلقة أو أرملة، وبه تغذى الرضيع فثبتت به شبهة البعضية أو الجزئية، بما يحصل باللبن – الذي هو جزء الآدمية – من إنبات اللحم، وإنشاز العظم[2]، ولأن الرضاع كالنسب فيكفي فيه الاحتمال.

وفي ذلك قال السرخسي من الحنفية: ” وإذا نزل للمرأة لبن وهي بكر لم تتزوج، فأرضعت شخصا صغيرا فهو رضاع؛ لأن المعنى الذي يثبت به حرمة الرضاع حصول شبهة الجزئية بينهما، والذي نزل لها من اللبن جزء منها، سواء كانت ذات زوج أو لم تكن، ولبنها يغذي الرضيع فتثبت به شهبة الجزئية”[3].

وقال في المدونة: ” أرأيتَ لبن الجارية البكر التي لم تنكح قط، إن أرضعت به صبيا أتقع الحرمة أم لا في قول مالك؟ قال: نعم، تقع به الحرمة. قال: وقال مالك في المرأة التي قد كبرت وأسنَّت: إنها إن درَّت فأرضعت فهي أم. فكذلك البكر”[4].

وقال الشافعية: “إن ثار للبكر لبن أو لثيب لا زوج لها، فأرضعت به طفلا ثبت بينهما حرمة الرضاع؛ لأن لبن النساء غذاء للأطفال”[5].

والأرجح عندي ما ذهب إليه الجمهور، لما ساقوه من أدلة، وهو المعقول.

أما ما يخص التوارث؛ فإن أسباب الميراث تتركز في أمرين: النسب (القرابة) والنكاح، وليس منهما الرضاع، فلا توارث بين الأم وابنها من الرضاع، ولا بين الأخ وإخوته من الرضاع، ولا بين الابن وأبيه من الرضاع.

وفي أحكام الشريعة الإسلامية ما يحقق المقصود بغير التوارث، فهناك الوصية، مثل أن توصي الأم من الرضاع لابنها أو الابن لأمه فيما دون الثلث، بل يجوز أن يوصى بأكثر من الثلث بشرط إجازة الورثة.

وهناك العمرى بأن يهب له شيئا طول عمر الواهب أو الموهوب له.

وهناك الرقبى بأن يهب له شيئا فإن مات الموهوب له قبل استرده الواهب، وإن مات الواهب قبل فهو للموهوب.

وله أن يهديه أو يعطيه في حال حياته وصحته ما يشاء، بشرط إلا يضيع الورثة، أو يتعمد حرمانهم من تركته.

والله ولي التوفيق.

…………………

[1]- شرح منتهى الإرادات (3/213).

[2]- المبسوط (5/128).

[3]- المبسوط (5/134).

[4]- المدونة الكبرى (2/299).

[5]- المهذب (3/141).

ذات صلة
الأثر الواضح على الجزيرة العربية قبل وبعد الإسلام
أريد أن أعرف عن أثر دعوة الرسول (صلى الله عليه وسلم) على شبه الجزيرة العربية؟
المزيد »
فضل تربية البنات والإحسان إليهن
أنا رجل أخاف الله والحمد لله، أحدد النسل رزقت ببنتين وحمدت ربنا على ذلك، ثم رزقني الله ببنت ثالثة مع...
المزيد »
تأديب العم ابن أخيه مشروع
إذا اعتدى عمُّ على ولد ليس ابنه، بل هو ولد أخيه، وعمره 13 سنة، وتضارب معه، والولد لا حول له ولا قوة إلا...
المزيد »
التأثير السلبي لمشاكل الزوجين على الأبناء
بارك الله فيكم، سؤالي حول المشاكل المستمرة بين والدي ومنذ مدة طويلة جدا بحيث تولد الكره بينهما واستمرار...
المزيد »
غربة المسلم..الحب.. الفراغ.. الحيرة.. مشكلات لها حلول
لن اطيل المقدمات في غمرة مشاغل ولهوات هذه الحياة نحن جيل الشباب نجد بعض الصعوية في الثبات على الصحيح...
المزيد »
علاج كثرة كلام المراهقات في التليفون
مشكلتي أن لدي ابنة تبلغ من العمر 14لكنها تنشغل بالهاتف أكثر عن اللازم ...إنني على يقين بأنها لا تعمل...
المزيد »
الحل المثالي للمشاكل والعقبات
أنا أعاني من ضيق نفسي بسبب إحساسي بكره عائلتي لي، أنا حاولت بكل الطرق لإرضائهم لكن فشلت، هم ينظرون لي...
المزيد »
العاقل يتخذ من الخطأ سلما للنجاح
أنا مشكلتي أنني لا أثق بالآخرين وتوسعت هذه المشكلة حتى أصبحت لا أثق بنفسي ، لا أثق أني سأنجح في الدراسه...
المزيد »
واجبات الزوجين لبناء الأسرة الإسلامية السعيدة
في غالب الأحيان عندما أقرأ عن دور الزوجين، أجد إخوتنا المسلمين يحملون المرأة سبب نجاح أو فشل الأسرة،...
المزيد »
التربية الجنسية للأولاد
ابني عمره خمس سنوات، وقد بدأ يسألني بعض الأسئلة حول أعضائه التناسلية مثل: ما هي؟ وما فائدتها؟ وأسئلة...
المزيد »
وضوء الأم وصلاتها وهي حائض لتعليم الأولاد
لي طفلان 4 سنوات و2.5 سنة أحاول أن أجعلهم يعتادون علينا (أمهم وأنا) نصلي، فهل يجوز لزوجتي وهي حائض ادعاء...
المزيد »
تربية الأولاد أمر مشترك بين الزوجين
هل يجوز إنجاب الأطفال لآباء مهملين في الرعاية، وعدم تربيتهم التربية الإسلامية؟
المزيد »
الطفل يتبع خير الأبوين دينا
أنا رجل مسلم والحمد لله, وتزوجت بامرأة كانت على الدين المسيحي وقبل الزواج أسلمت وأنجبت منها طفلة, ولكن...
المزيد »
كيفية الرد على أسئلة الأطفال حول وجود الله تعالى ورؤيته
كيف نرد على الولد الذي يسأل عن وجود الله تعالى وزمان وجوده وإلخ... من الأسئلة المحرجة؟
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك