هل يجوز الأخذ من مال الوالدين إذا امتنعوا من النفقة على أولادهم؟

أنا بنت غير متزوجة، وليس لدي وظيفة، وأود أن أبدأ مشروعاً صغيراً، وأكمل دراستي العليا حتى أتمكن من إيجاد وظيفة محترمة، وغير الاحتياجات اليومية تنفق أمي شيئاً ضئيلاً جدا، وتنكر وجود مال لديها، وأبي...

هل يجوز الأخذ من مال الوالدين إذا امتنعوا من النفقة على أولادهم؟

س
أنا بنت غير متزوجة، وليس لدي وظيفة، وأود أن أبدأ مشروعاً صغيراً، وأكمل دراستي العليا حتى أتمكن من إيجاد وظيفة محترمة، وغير الاحتياجات اليومية تنفق أمي شيئاً ضئيلاً جدا، وتنكر وجود مال لديها، وأبي لا ينفق أساساً، وأمي لا تريد تدريسي بحجة المال، لكن اكتشفت أنّ لديها مبلغاً كبيراً لا أحد يعلم به، فهل يجوز لي أن آخذ بما يرضي الله للإنفاق سرا عليّ، وعلى أخواتي البنات الغير متزوجات؟
جــــ

أولاً:

إذا كان الأب يستطيع أن ينفق على أولاده فالنفقة عليه وحده ، ولا يلزم الأم شيء من النفقة .

قال ابن قدامة رحمه الله :

“وَمَنْ كَانَ لَهُ أَبٌ مِنْ أَهْلِ الْإِنْفَاقِ ، لَمْ تَجِبْ نَفَقَتُهُ عَلَى سِوَاهُ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ، وَقَالَ : وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ . وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِهِنْدٍ : خُذِي مَا يَكْفِيك وَوَلَدَك بِالْمَعْرُوفِ فَجَعَلَ النَّفَقَةَ عَلَى أَبِيهِمْ دُونَهَا” انتهى، (11/378) .

فإن كان الأب معسرًا وجب على الأم -إذا كانت غنية- أن تنفق على أولادها.

قال ابن قدامة رحمه الله ” فإن أعسر الأب، وجبت النفقة على الأم، ولم ترجع بها عليه إن أيسر” انتهى من “المغني” (11/373).

ثانياً:

إن كان الأب قادرا على النفقة غير أنه امتنع عنها – فإن الواجب على الأم أن تنفق على الأولاد – وفي هذه الحالة لها أن ترجع عليه بما أنفقت متى أمكنها ذلك .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : “وإذا كان القريب الموسر ممتنعا فينبغي أن يكون كالمعسر ، … لكن ينبغي أن يكون الواجب هنا القرض رجاء الاسترجاع” انتهى . “الاختيارات” (ص414) .

ثالثا :

يجب على الوالدين أن ينفقا على البنات حتى يتزوجن .

قال ابن قدامة رحمه الله : ” وقال أبو حنيفة: ‌ينفق ‌على ‌الغلام حتى يبلغ، فإذا بلغ صحيحا، انقطعت نفقته، ولا تسقط نفقة الجارية حتى تتزوج. ونحوه قال مالك، إلا أنه قال: ينفق على النساء حتى يتزوجن، ويدخل بهن الأزواج، ثم لا نفقة لهن” انتهى من “المغني” (11/ 378).

وجاء في «الثمر الداني شرح رسالة ابن أبي زيد القيرواني (ص493) ما نصه: “أما لزومها- أي النفقة- على ‌الإناث الأحرار فهي مستمرة عليهن “حتى ‌ينكحن ويدخل بهن” أي يطأهن “أزواجهن”.

رابعا :

يجوز لمن له حق في النفقة أن يأخذ من مال المنفق سراً إذا قصر في الإنفاق عليه في الضروريات أو الحاجيات التي جرى بها العرف، بشرط أن يكون قادرا على الإنفاق، ولكنه يمتنع عن بذلها لما رواه البخاري عن عائشة رضي الله عنها: (أَنَّ هِنْدَ بِنْتَ عُتْبَةَ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ وَلَيْسَ يُعْطِينِي مَا يَكْفِينِي وَوَلَدِي إِلَّا مَا أَخَذْتُ مِنْهُ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ؟ فَقَالَ: (خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ) البخاري (5049).

قال ابن حجر: “والمراد بالمعروف: القدر الذي عُرف بالعادة أنه الكفاية” انتهى من “فتح الباري لابن حجر” (9/509).

وعليه ؛ فيجوز لك أن تأخذي من مال أبيك – أولًا – ما يكفيك ويكفي أخواتك بالمعروف ، فإن تعذر الأخذ من مال الأب ، أو لم يكن له مال أخذت من مال والدتك .

وإنما كانت البداية بالأخذ من مال الأب – إن أمكن – لأن النفقة واجبة عليه وحده إن كان قادرا عليها .

ويكون المقدار المأخوذ من المال بقدر الحاجة فقط ، بلا زيادة .

خامسا :

أما أشرت إليه من حاجتك للدراسات العليا، لتحصلي على وظيفة محترمة، فإن هذه من الكماليات التي لا يجب على أمك بذل النفقة لها أصلا، ولا يحل لك أن تأخذي شيئا من مال أبيك ولا مال أمك لهذا الغرض، دون إذنهم، وموافقتهم.

ودور المرأة المسلمة ليس المنافسة على الوظائف في سوق العمل، وإنما تخرج إليه بقدر حاجتها، فرسالتها تربية جيل مؤمن، وإقامة بيت مسلم يتربى على الفضيلة، هذا هو المقصد في حقها، ويتأكد ترك ذلك، إذا كانت الدراسة مختلطة؛ فليست مضطرة ولا محتاجة إليها .

ثم لا يغيب عنك وعن أخواتك: أن إخفاء أمك لبعض ما عندها من المال غالباً أنه لمصلحتكم خشية أن يتبدد، وتحتاجون للضروريات فلا تجدون.

فأحسنوا الظن بأمكم، واشكروا لها صنيعها بالنفقة عليكم، وادعو لها في ظهر الغيب.

والله أعلم

ذات صلة
الأثر الواضح على الجزيرة العربية قبل وبعد الإسلام
أريد أن أعرف عن أثر دعوة الرسول (صلى الله عليه وسلم) على شبه الجزيرة العربية؟
المزيد »
فضل تربية البنات والإحسان إليهن
أنا رجل أخاف الله والحمد لله، أحدد النسل رزقت ببنتين وحمدت ربنا على ذلك، ثم رزقني الله ببنت ثالثة مع...
المزيد »
تأديب العم ابن أخيه مشروع
إذا اعتدى عمُّ على ولد ليس ابنه، بل هو ولد أخيه، وعمره 13 سنة، وتضارب معه، والولد لا حول له ولا قوة إلا...
المزيد »
التأثير السلبي لمشاكل الزوجين على الأبناء
بارك الله فيكم، سؤالي حول المشاكل المستمرة بين والدي ومنذ مدة طويلة جدا بحيث تولد الكره بينهما واستمرار...
المزيد »
غربة المسلم..الحب.. الفراغ.. الحيرة.. مشكلات لها حلول
لن اطيل المقدمات في غمرة مشاغل ولهوات هذه الحياة نحن جيل الشباب نجد بعض الصعوية في الثبات على الصحيح...
المزيد »
علاج كثرة كلام المراهقات في التليفون
مشكلتي أن لدي ابنة تبلغ من العمر 14لكنها تنشغل بالهاتف أكثر عن اللازم ...إنني على يقين بأنها لا تعمل...
المزيد »
الحل المثالي للمشاكل والعقبات
أنا أعاني من ضيق نفسي بسبب إحساسي بكره عائلتي لي، أنا حاولت بكل الطرق لإرضائهم لكن فشلت، هم ينظرون لي...
المزيد »
العاقل يتخذ من الخطأ سلما للنجاح
أنا مشكلتي أنني لا أثق بالآخرين وتوسعت هذه المشكلة حتى أصبحت لا أثق بنفسي ، لا أثق أني سأنجح في الدراسه...
المزيد »
واجبات الزوجين لبناء الأسرة الإسلامية السعيدة
في غالب الأحيان عندما أقرأ عن دور الزوجين، أجد إخوتنا المسلمين يحملون المرأة سبب نجاح أو فشل الأسرة،...
المزيد »
التربية الجنسية للأولاد
ابني عمره خمس سنوات، وقد بدأ يسألني بعض الأسئلة حول أعضائه التناسلية مثل: ما هي؟ وما فائدتها؟ وأسئلة...
المزيد »
وضوء الأم وصلاتها وهي حائض لتعليم الأولاد
لي طفلان 4 سنوات و2.5 سنة أحاول أن أجعلهم يعتادون علينا (أمهم وأنا) نصلي، فهل يجوز لزوجتي وهي حائض ادعاء...
المزيد »
تربية الأولاد أمر مشترك بين الزوجين
هل يجوز إنجاب الأطفال لآباء مهملين في الرعاية، وعدم تربيتهم التربية الإسلامية؟
المزيد »
الطفل يتبع خير الأبوين دينا
أنا رجل مسلم والحمد لله, وتزوجت بامرأة كانت على الدين المسيحي وقبل الزواج أسلمت وأنجبت منها طفلة, ولكن...
المزيد »
كيفية الرد على أسئلة الأطفال حول وجود الله تعالى ورؤيته
كيف نرد على الولد الذي يسأل عن وجود الله تعالى وزمان وجوده وإلخ... من الأسئلة المحرجة؟
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك