زيارة قبور الصالحين من أجل الدعاء عندهم

يقول أحدهم: إنهم يذهبون لقبور الصالحين، ويدعون الله عندها، كما يدعوا المسلمون عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم، وإنهم لم يدعوا العبد الصالح، وهم مؤمنون بأنه لا يملك شيئًا، والأمر كله لله، وربما...

زيارة قبور الصالحين من أجل الدعاء عندهم

س
يقول أحدهم: إنهم يذهبون لقبور الصالحين، ويدعون الله عندها، كما يدعوا المسلمون عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم، وإنهم لم يدعوا العبد الصالح، وهم مؤمنون بأنه لا يملك شيئًا، والأمر كله لله، وربما يستجيب الله لهم كرامة لهذا الصالح، أو يكون له عند الله شفاعة، أو جاهًا، فيستجاب لهم، فالشفاعة ثابتة للصالحين، فما قولكم فيما يقول؟ وشكرًا.
جــــ

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فالرد على هذا الكلام: أن قصد زيارة القبر من أجل الدعاء عنده، والظن أن ذلك أدعى للإجابة؛ من أنواع البدع التي حذر منها العلماء، وبيّنوا أنها فعل محدث لم يفعله السلف، ولو كان للدعاء عند القبر مزية لما تركوه، وهم الأحرص على كل خير، وسننقل لك شيئًا من كلام أهل العلم يبين ويوضح هذا:

يقول ابن تيمية -رحمه الله-: وأما الزيارة البدعية؛ فهي التي يقصد بها أن يطلب من الميت الحوائج، أو يطلب منه الدعاء، والشفاعة، أو يقصد الدعاء عند قبره لظن القاصد أن ذلك أجْوَبُ للدعاء. فالزيارة على هذه الوجوه كلها مبتدعة، لم يشرعها النبي صلى الله عليه وسلم، ولا فعلها الصحابة، لا عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم، ولا عند غيره، وهي من جنس الشرك، وأسباب الشرك. اهـ.

ويقول ابن القيم -رحمه الله-: ومن المحال أن يكون دعاء الموتى، أو الدعاء بهم، أو الدعاء عندهم، مشروعًا وعملًا صالحًا، ويصرف عنه القرون الثلاثة المفضلة بنص رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، ثم يرزقه الخلوف الذين يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون. فهذه سنة رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم في أهل القبور بضعًا وعشرين سنة، حتى توفاه الله تعالى، وهذه سنة خلفائه الراشدين، وهذه طريقة جميع الصحابة، والتابعين لهم بإحسان، هل يمكن بشر على وجه الأرض أن يأتي عن أحد منهم بنقل صحيح، أو حسن، أو ضعيف، أو منقطع: أنهم كانوا إذا كان لهم حاجة قصدوا القبور فدعوا عندها، وتمسحوا بها، فضلًا أن يصلوا عندها، أو يسألوا الله بأصحابها، أو يسألوهم حوائجهم؟ فليوقفوا على أثر واحد، أو حرف واحد من ذلك، بلى، يمكنهم أن يأتوا عن الخلوف التي خلفت بعدهم بكثير من ذلك، وكلما تأخر الزمان، وطال العهد، كان ذلك أكثر، حتى لقد وجد في ذلك عدة …

وذكر قصة النبي دانيال الذي عثر عليه الصحابة، ودفنوه بطريقة فيها تعمية لقبره؛ سدًّا للذريعة، ثم عقب عليها بقوله: فلو كان الدعاء عند القبور، والصلاة عندها، والتبرك بها فضيلة، أو سنة، أو مباحًا؛ لنصب المهاجرون، والأنصار هذا القبر علمًا لذلك، ودعوا عنده، وسنوا ذلك لمن بعدهم، ولكن كانوا أعلم بالله، ورسوله، ودينه من الخلوف التي خلفت بعدهم، وكذلك التابعون لهم بإحسان راحوا على هذا السبيل، وقد كان عندهم من قبور أصحاب رسول الله صلى الله تعالى وآله وسلم بالأمصار عدد كثير، وهم متوافرون، فما منهم من استغاث عند قبر صاحب، ولا دعاه، ولا دعا به، ولا دعا عنده، ولا استشفى به، ولا استسقى به، ولا استنصر به، ومن المعلوم أن مثل هذا مما تتوفر الهمم والدواعي على نقله، بل على نقل ما هو دونه.

وحينئذ؛ فلا يخلو إما أن يكون الدعاء عندها، والدعاء بأربابها أفضل منه في غير تلك البقعة، أو لا يكون، فإن كان أفضل، فكيف خفي علمًا، وعملًا على الصحابة، والتابعين، وتابعيهم؟! فتكون القرون الثلاثة الفاضلة جاهلة بهذا الفضل العظيم، وتظفر به الخلوف علمًا وعملًا؟! ولا يجوز أن يعلموه، ويزهدوا فيه، مع حرصهم على كل خير لا سيما الدعاء، فإن المضطر يتشبث بكل سبب، وإن كان فيه كراهة ما، فكيف يكونون مضطرين في كثير من الدعاء، وهم يعلمون فضل الدعاء عند القبور، ثم لا يقصدونه؟! هذا محال طبعًا، وشرعًا.

فتعين القسم الآخر، وهو: أنه لا فضل للدعاء عندها، ولا هو مشروع، ولا مأذون فيه بقصد الخصوص، بل تخصيصها بالدعاء عندها ذريعة إلى ما تقدم من المفاسد، ومثل هذا مما لا يشرعه الله، ورسوله البتة، بل استحباب الدعاء عندها شرع عبادة لم يشرعها الله، ولم ينزل بها سلطانًا، وقد أنكر الصحابة ما هو دون هذا بكثير. اهـ.

وأما زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم فليس المقصود منها الدعاء عند قبره؛ يقول ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم: ولم يكن أحد من السلف يأتي قبر نبي، أو غير نبي لأجل الدعاء عنده، ولا كان الصحابة يقصدون الدعاء عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم، ولا عند قبر غيره من الأنبياء، وإنما كانوا يصلون ويسلمون على النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى صاحبيه، واتفق الأئمة على أنه إذا دعا بمسجد النبي صلى الله عليه وسلم لا يستقبل قبره. اهـ.

وراجع لمزيد الفائدة فتوانا رقم: 119972.

والله أعلم.

ذات صلة
الأثر الواضح على الجزيرة العربية قبل وبعد الإسلام
أريد أن أعرف عن أثر دعوة الرسول (صلى الله عليه وسلم) على شبه الجزيرة العربية؟
المزيد »
فضل تربية البنات والإحسان إليهن
أنا رجل أخاف الله والحمد لله، أحدد النسل رزقت ببنتين وحمدت ربنا على ذلك، ثم رزقني الله ببنت ثالثة مع...
المزيد »
تأديب العم ابن أخيه مشروع
إذا اعتدى عمُّ على ولد ليس ابنه، بل هو ولد أخيه، وعمره 13 سنة، وتضارب معه، والولد لا حول له ولا قوة إلا...
المزيد »
التأثير السلبي لمشاكل الزوجين على الأبناء
بارك الله فيكم، سؤالي حول المشاكل المستمرة بين والدي ومنذ مدة طويلة جدا بحيث تولد الكره بينهما واستمرار...
المزيد »
غربة المسلم..الحب.. الفراغ.. الحيرة.. مشكلات لها حلول
لن اطيل المقدمات في غمرة مشاغل ولهوات هذه الحياة نحن جيل الشباب نجد بعض الصعوية في الثبات على الصحيح...
المزيد »
علاج كثرة كلام المراهقات في التليفون
مشكلتي أن لدي ابنة تبلغ من العمر 14لكنها تنشغل بالهاتف أكثر عن اللازم ...إنني على يقين بأنها لا تعمل...
المزيد »
الحل المثالي للمشاكل والعقبات
أنا أعاني من ضيق نفسي بسبب إحساسي بكره عائلتي لي، أنا حاولت بكل الطرق لإرضائهم لكن فشلت، هم ينظرون لي...
المزيد »
العاقل يتخذ من الخطأ سلما للنجاح
أنا مشكلتي أنني لا أثق بالآخرين وتوسعت هذه المشكلة حتى أصبحت لا أثق بنفسي ، لا أثق أني سأنجح في الدراسه...
المزيد »
واجبات الزوجين لبناء الأسرة الإسلامية السعيدة
في غالب الأحيان عندما أقرأ عن دور الزوجين، أجد إخوتنا المسلمين يحملون المرأة سبب نجاح أو فشل الأسرة،...
المزيد »
التربية الجنسية للأولاد
ابني عمره خمس سنوات، وقد بدأ يسألني بعض الأسئلة حول أعضائه التناسلية مثل: ما هي؟ وما فائدتها؟ وأسئلة...
المزيد »
وضوء الأم وصلاتها وهي حائض لتعليم الأولاد
لي طفلان 4 سنوات و2.5 سنة أحاول أن أجعلهم يعتادون علينا (أمهم وأنا) نصلي، فهل يجوز لزوجتي وهي حائض ادعاء...
المزيد »
تربية الأولاد أمر مشترك بين الزوجين
هل يجوز إنجاب الأطفال لآباء مهملين في الرعاية، وعدم تربيتهم التربية الإسلامية؟
المزيد »
الطفل يتبع خير الأبوين دينا
أنا رجل مسلم والحمد لله, وتزوجت بامرأة كانت على الدين المسيحي وقبل الزواج أسلمت وأنجبت منها طفلة, ولكن...
المزيد »
كيفية الرد على أسئلة الأطفال حول وجود الله تعالى ورؤيته
كيف نرد على الولد الذي يسأل عن وجود الله تعالى وزمان وجوده وإلخ... من الأسئلة المحرجة؟
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك