حول القدرة المادية المشترطة للزواج وحدُّ الشهوة

عمري 37 سنة ، ولم أتزوج بعد ، ويعيّرني أصدقائي بذلك مع أنهم هم أيضاً لم يتزوجوا ! وبهذا أجد نفسي بعيداً عن تطبيق هذه السنة الطيبة ، والسبب في ذلك عدم القدرة المالية...

حول القدرة المادية المشترطة للزواج وحدُّ الشهوة

س
عمري 37 سنة ، ولم أتزوج بعد ، ويعيّرني أصدقائي بذلك مع أنهم هم أيضاً لم يتزوجوا ! وبهذا أجد نفسي بعيداً عن تطبيق هذه السنة الطيبة ، والسبب في ذلك عدم القدرة المالية ؛ لأنني قائم على والدتي ، ومضطلع ببعض المهام الأخرى التي تستنزف مالي كله ، وأظن أن هناك حديثاً في البخاري يحث على الزواج طالما توفر في المرء أمران ، القدرة المالية والقدرة الجنسية. ولا أجد إشكالاً في الثانية، وإشكالي فقط متمثل في الجانب المالي ، وهناك حديث أخر ينص على أنه لا بد من الزواج لمن لم يستطع التحكم بشهوته ، لكني محتار بعض الشيء بشأن كل هذه القوانين النبوية . إذ ما الضابط في كل هذا ؟ ومن الذي يقرر الحد الأدنى من القدرة المالية المؤهلة للزواج ؟ ولمن تكون الأولوية في مثل حالتي ، الاعتناء بوالدتي أم الالتفات إلى الزواج؟ وما ضابط الشهوة المُجبِر على الزواج ؟ ولا أنسى أن أذكر هنا بأنني أعيش في مجتمع مادي بحت (المغرب) حيث لا صوت يعلو على صوت المال والمظاهر الزائفة ، فكل من يفكر بالزواج لا بد أن يفكر مسبقاً بنوع السيارة الفارهة التي سيشتريها والبيت المستقل والاحتفال الباذخ..الخ ، وهذه عوامل جعلت الشباب يعزفون عن الزواج .
جــــ

جزاك الله خيرا على ما تقوم به من رعاية والدتك ، والإنفاق عليها ، والقيام بمصالحها ، ونسأل الله سبحانه أن يجعل هذا في ميزان حسناتك يوم أن تلقاه ، وأما عن الزواج فاعلم أن الشريعة المباركة قد أمرت به وحثت عليه ؛ لأنه من سنن النبيين وهدي المرسلين ، قال تعالى : ( وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً)الرعد/ 38 .
والحديث الذي تسأل عنه هو ما رواه البخاري (5066) ، ومسلم (1400) عن ابن مسعود قَالَ ” ” كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَبَابًا لَا نَجِدُ شَيْئًا فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنْ اسْتَطَاعَ منكُم الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ ) .
جاء في ” شرح النووي على مسلم “(9 / 173) : ” وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمُرَادِ بِالْبَاءَةِ هُنَا عَلَى قَوْلَيْنِ يَرْجِعَانِ إِلَى مَعْنَى وَاحِدٍ أَصَحُّهُمَا: أَنَّ الْمُرَادَ مَعْنَاهَا اللُّغَوِيُّ وَهُوَ الْجِمَاعُ ، فَتَقْدِيرُهُ مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْجِمَاعَ لِقُدْرَتِهِ عَلَى مُؤَنِهِ وَهِيَ مُؤَنُ النِّكَاحِ فَلْيَتَزَوَّجْ ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعِ الْجِمَاعَ ، لِعَجْزِهِ عَنْ مُؤَنِهِ ، فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ لِيَدْفَعَ شَهْوَتَهُ ، وَيَقْطَعَ شَرَّ مَنِيَّهُ كَمَا يَقْطَعُهُ الْوِجَاءُ ، وَعَلَى هَذَا القول وقع الْخِطَابِ مَعَ الشُّبَّانِ الَّذِينَ هُمْ مَظِنَّةُ شَهْوَةِ النِّسَاءِ ، وَلَا يَنْفَكُّونَ عَنْهَا غَالِبًا.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ الْمُرَادَ هُنَا بِالْبَاءَةِ مُؤَنُ النِّكَاحِ ، سُمِّيَتْ بِاسْمِ مَا يُلَازِمُهَا ، وَتَقْدِيرُهُ : مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ مُؤَنَ النِّكَاحِ فَلْيَتَزَوَّجْ ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْهَا فَلْيَصُمْ ليدفع شهوته ” انتهى.

فإن كنت مُعْدَما لا تقدر على شيء من نفقات النكاح ، فليس أمامك من خيار إلا الصبر والصوم ، حتى يرزقك الله سبحانه من فضله ، قال تعالى : ( وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ) النور/33 .
ولكن الظاهر من كلامك أنك لست بهذه الحالة من الفقر والحاجة ، فأنت تملك مالا لكنه يُنْفَق كله على والدتك وبعض شؤونك الأخرى ، وهنا ينبغي التأمل والنظر :
فإن كانت والدتك تملك مالاً يكفيها ، ففي هذه الحالة لا تلزمك نفقتها ، وحينئذ ينبغي أن توفر مالك لزواجك ، بل يتعين ذلك عليك إذا خفت الوقوع في الحرام .
أما إن كانت أمك لا تملك مالا لنفقتها ، ولم يكن هناك من ينفق عليها غيرك ، بحيث ستتضرر إن تركت الإنفاق عليها ، فهنا تلزمك نفقتها ؛ لأن نفقة الوالدين الفقيرين واجبة على ولدهما الموسر.
والنصيحة لك – في هذه الحالة – أن تحاول أن تجمع بين الحسنيين ، وهما نفقة الأم والزواج ، وذلك بأن تدَّخر من مالك جزءا ولو يسيرا ، يصلح للمهر وتجهيز أمور الزواج في أضيق نطاق ، وقد يكون الاقتراض من أهل الخير والإحسان من الأمور المقترحة في هذه الحالة، لكن بشرط ألا تتوسع في ذلك الاقتراض ، بل تقتصر فيه على أدنى ما يمكن ، حتى لا تحمل نفسك ما لا تطيق ، ولا تشغلها بهم الدين .
ثم عليك بعد ذلك بالمسارعة إلى البحث عن امرأة صالحة زاهدة تبتغي العفاف ، وتصبر على أحوالك ورعاية أمك ، وسوف تجد إن شاء الله ، من أهل الخير من يعينك على مثل هذا الزواج المقتصد الميسور ، متى ما عزمت عليه ، وكنت جادا فيه ؛ مهما يكون من أمر مجتمعك المادي ، فأغلب المجتمعات اليوم كذلك ، لكننا نعلم أيضا : أنه لا يزال يوجد فيها من يسعى إلى العفاف ، ويرضى بالكفاف ، أو ما يقاربه .
وإياك أن تلتفت إلى المظاهر الدُّنيوية الخدَّاعة التي هي من عمل الجاهلية في تعسير أمور الزواج باشتراط المهور الغالية ، والسيارات الفارهة ، والمساكن الفاخرة وغير ذلك ، فكل هذا من عادات الجاهلية ومن تدبير أعداء الله سبحانه ليعسِّروا على الناس سبيل الزواج الشرعي المباح ، فيسهل عليهم بعد ذلك مواقعة الفواحش والرذيلة التي هي أيسر شيء في زماننا هذا والعياذ بالله ، مع ما في ذلك من مخالفة هدي رسول الله – صلى الله عليه وسلم – في تيسير الزواج وتسهيله على مريده ، فقد صح عنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال : (خير النكاح أيسره) . رواه ابن حبان ، وصححه الألباني في ” صحيح الجامع ” (3300) ، وقد سبق الحديث عن موضوع المغالاة في المهور في الفتوى رقم : (87823) .

واعلم أن الراغب في الزواج يبتغي العفاف موعود بالعون من الله تعالى ، قال تعالى : ( وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ)النور/32 ، جاء في ” تفسير الطبري ” (19 / 166) : ” عن ابن عباس ، قوله: ( وَأَنْكِحُوا الأيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ ) قال: أمر الله سبحانه بالنكاح ، ورغَّبهم فيه ، وأمرهم أن يزوّجوا أحرارهم وعبيدهم ، ووعدهم في ذلك الغنى ، فقال : ( إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ) ، وعن عبد الله بن مسعود ، قال: التمسوا الغنى في النكاح ، يقول الله: ( إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ) ” انتهى باختصار.
وفي ” تفسير القرطبي ” (12 / 241) : ” لَا تَمْتَنِعُوا عَنِ التَّزْوِيجِ بِسَبَبِ فَقْرِ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ ، ” إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ “، وَهَذَا وَعْدٌ بِالْغِنَى لِلْمُتَزَوِّجِينَ طَلَبَ رِضَا اللَّهِ ، وَاعْتِصَامًا مِنْ مَعَاصِيهِ ، وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : الْتَمِسُوا الْغِنَى فِي النِّكَاحِ ، وَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ ، وَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: عَجَبِي مِمَّنْ لَا يَطْلُبُ الْغِنَى فِي النِّكَاحِ ” انتهى .
وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : ( ثَلاَثَةٌ حَقٌّ عَلَى اللَّهِ عَوْنُهُمُ : الْمُجَاهِدُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ ، وَالْمُكَاتَبُ الَّذِى يُرِيدُ الأَدَاءَ ، وَالنَّاكِحُ الَّذِى يُرِيدُ الْعَفَافَ ) رواه الترمذى ( 1655 ) ، وقال : حسن ، والنسائى ( 3120 ) ، وابن ماجه (2518 ) ، وحَّسنه الألباني في “صحيح الترمذي”.

وأما حد الشهوة التي يجب على الرجل معها الزواج ، فهو أن يخشى مواقعة الزنا ، أو مقدماته من النظر أو التقبيل ونحوهما.

والله أعلم.

ذات صلة
الأثر الواضح على الجزيرة العربية قبل وبعد الإسلام
أريد أن أعرف عن أثر دعوة الرسول (صلى الله عليه وسلم) على شبه الجزيرة العربية؟
المزيد »
فضل تربية البنات والإحسان إليهن
أنا رجل أخاف الله والحمد لله، أحدد النسل رزقت ببنتين وحمدت ربنا على ذلك، ثم رزقني الله ببنت ثالثة مع...
المزيد »
تأديب العم ابن أخيه مشروع
إذا اعتدى عمُّ على ولد ليس ابنه، بل هو ولد أخيه، وعمره 13 سنة، وتضارب معه، والولد لا حول له ولا قوة إلا...
المزيد »
التأثير السلبي لمشاكل الزوجين على الأبناء
بارك الله فيكم، سؤالي حول المشاكل المستمرة بين والدي ومنذ مدة طويلة جدا بحيث تولد الكره بينهما واستمرار...
المزيد »
غربة المسلم..الحب.. الفراغ.. الحيرة.. مشكلات لها حلول
لن اطيل المقدمات في غمرة مشاغل ولهوات هذه الحياة نحن جيل الشباب نجد بعض الصعوية في الثبات على الصحيح...
المزيد »
علاج كثرة كلام المراهقات في التليفون
مشكلتي أن لدي ابنة تبلغ من العمر 14لكنها تنشغل بالهاتف أكثر عن اللازم ...إنني على يقين بأنها لا تعمل...
المزيد »
الحل المثالي للمشاكل والعقبات
أنا أعاني من ضيق نفسي بسبب إحساسي بكره عائلتي لي، أنا حاولت بكل الطرق لإرضائهم لكن فشلت، هم ينظرون لي...
المزيد »
العاقل يتخذ من الخطأ سلما للنجاح
أنا مشكلتي أنني لا أثق بالآخرين وتوسعت هذه المشكلة حتى أصبحت لا أثق بنفسي ، لا أثق أني سأنجح في الدراسه...
المزيد »
واجبات الزوجين لبناء الأسرة الإسلامية السعيدة
في غالب الأحيان عندما أقرأ عن دور الزوجين، أجد إخوتنا المسلمين يحملون المرأة سبب نجاح أو فشل الأسرة،...
المزيد »
التربية الجنسية للأولاد
ابني عمره خمس سنوات، وقد بدأ يسألني بعض الأسئلة حول أعضائه التناسلية مثل: ما هي؟ وما فائدتها؟ وأسئلة...
المزيد »
وضوء الأم وصلاتها وهي حائض لتعليم الأولاد
لي طفلان 4 سنوات و2.5 سنة أحاول أن أجعلهم يعتادون علينا (أمهم وأنا) نصلي، فهل يجوز لزوجتي وهي حائض ادعاء...
المزيد »
تربية الأولاد أمر مشترك بين الزوجين
هل يجوز إنجاب الأطفال لآباء مهملين في الرعاية، وعدم تربيتهم التربية الإسلامية؟
المزيد »
الطفل يتبع خير الأبوين دينا
أنا رجل مسلم والحمد لله, وتزوجت بامرأة كانت على الدين المسيحي وقبل الزواج أسلمت وأنجبت منها طفلة, ولكن...
المزيد »
كيفية الرد على أسئلة الأطفال حول وجود الله تعالى ورؤيته
كيف نرد على الولد الذي يسأل عن وجود الله تعالى وزمان وجوده وإلخ... من الأسئلة المحرجة؟
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك