التصرفات النبوية

ما رأي العلماء في التفصيل الذي أورده الطاهر بن عاشور حول مقامات النبوة ؟...

التصرفات النبوية

س
ما رأي العلماء في التفصيل الذي أورده الطاهر بن عاشور حول مقامات النبوة ؟
جــــ

أولًا :

قال الطاهر ابن عاشور رحمه الله : ” وقد عرض لي الآن أن أعدّ من أحوال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – التي يصدر عنها قول منه أو فعل – اثني عشر حالًا . منها ما وقع في كلام القرافي ، ومنها ما لم يذكره.

وهي : التشريع ، والفتوى ، والقضاء ، والإمارة ، والهدي ، والصلح ، والإشارة على المستشير ، والنصيحة ، وتكميل النفوس ، وتعليم الحقائق العالية ، والتأديب ، والتجرّد عن الإرشاد “.

ثم قال :

” وهذه الأحوال الثلاثة [الأولى] كلُّها شواهد التشريع ، وليست التفرقة بينها إلا لمعرفة اندراج أصول الشريعة تحتها .

والفتوى والقضاء: كلاهما تطبيق للتشريع ” ، انتهى من “مقاصد الشريعة” (3/ 99).

وفصَّل في بقية الأنواع ، وذكر أمثلة لكل نوع .

ثانيًا :

ينبغي أن يعلم أن الغالب في التصرفات النبوية هو التشريع ، فالأصل أن يحمل على التشريع العام إلا بدليل.

قال ابن عاشور: ” واعلم أن أشد الأحوال التي ذكرناها اختصاصاً برسول الله – صلى الله عليه وسلم – هي حالة التشريع ، لأن التشريع هو المراد الأول لله تعالى من بعثته ، حتى حصر أحواله فيه في قوله تعالى: ( وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ ).

فلذلك يجب المصير إلى اعتبار ما صدر عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – من الأقوال والأفعال، فيما هو من عوارض أحوال الأمة: صادراً مصدر التشريع ؛ ما لم تقم قرينة على خلاف ذلك ” انتهى من “مقاصد الشريعة” (3/ 136).

ولا بد من “مراعاة القرائن ، فالحكم على التصرف بأنه باعتبار الإمامة أو القضاء : يتطلب النظر في القرائن المصاحبة للواقعة ، وليس هو من قبيل التوقع والتخمين ، فهو اجتهاد تفصيلي يدقق في واقعة معينة .

ولا بد من الوعي بحقيقة كل تصرف ، فيجب أن يعرف حقيقة التصرف ، وما يمكن أن يدخل ، مما لا يمكن ، ولهذا تجد عند الفقهاء وعيًا بهذا، فالعبادات مثلًا لا تحتمل إلا التشريع .

فالنظر في التصرفات النبوية : يقوم على نظر جزئي تفصيلي ، يتجاوز مجرد الوعي بوجود قاعدة تتعلق بالتمييز بين التصرفات النبوية ، وهذه طبيعية الاجتهاد الفقهي ، لا يتوقف عند الوعي بالقواعد العامة لأنها غير كافية ما لم تصحب بنظر تفصيلي في الوقائع ، يعتمد على فهم لجزئيات الشريعة الأخرى ” ، انتهى .
انظر: ” تصرف النبي صلى الله عليه وسلم باعتباره إمامًا” لفهد العجلان” ، رابط المادة: http://iswy.co/e283ji

ثالثًا :

قد تقرر : أن الأصل في أقواله صلى الله عليه وسلم أنها للتشريع ، لأنه مبلغ عن ربه ، مرسل لهداية الخلق ، مأمور بالبيان ، كما قال تعالى :  وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ  النحل/44 ، وقال :  يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ  المائدة/67 .
ويدل على أن الأصل في أقواله صلى الله عليه وسلم أنها للتشريع : ما روى أبو داود (3646) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رضي الله عنهما قَالَ : ” كُنْتُ أَكْتُبُ كُلَّ شَيْءٍ أَسْمَعُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُرِيدُ حِفْظَهُ ، فَنَهَتْنِي قُرَيْشٌ ، وَقَالُوا : أَتَكْتُبُ كُلَّ شَيْءٍ تَسْمَعُهُ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَشَرٌ يَتَكَلَّمُ فِي الْغَضَبِ وَالرِّضَا؟ فَأَمْسَكْتُ عَنْ الْكِتَابِ ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَوْمَأَ بِأُصْبُعِهِ إِلَى فِيهِ فَقَالَ :   اكْتُبْ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا يَخْرُجُ مِنْهُ إِلَّا حَقّ   “.
وقد يقول صلى الله عليه وسلم القول لا يريد به التشريع ، وهذا خلاف الأصل ، ولابد من دليل يبين أنه لغير التشريع ، كما في قصة تأبير النخل المشهورة ، وقد رواها مسلم (2361) عن طَلْحَةَ قَالَ : ” مَرَرْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْمٍ عَلَى رُءُوسِ النَّخْلِ ، فَقَالَ : مَا يَصْنَعُ هَؤُلَاءِ ؟ فَقَالُوا : يُلَقِّحُونَهُ ، يَجْعَلُونَ الذَّكَرَ فِي الْأُنْثَى فَيَلْقَحُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَا أَظُنُّ يُغْنِي ذَلِكَ شَيْئًا ) قَالَ : فَأُخْبِرُوا بِذَلِكَ فَتَرَكُوهُ ، فَأُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ ، فَقَالَ :   إِنْ كَانَ يَنْفَعُهُمْ ذَلِكَ فَلْيَصْنَعُوهُ ، فَإِنِّي إِنَّمَا ظَنَنْتُ ظَنًّا ، فَلَا تُؤَاخِذُونِي بِالظَّنِّ ، وَلَكِنْ إِذَا حَدَّثْتُكُمْ عَنْ اللَّهِ شَيْئًا فَخُذُوا بِهِ فَإِنِّي لَنْ أَكْذِبَ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَل  “.

ورواه مسلم (2363) عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه : ” أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِقَوْمٍ يُلَقِّحُونَ فَقَالَ :  لَوْ لَمْ تَفْعَلُوا لَصَلُحَ  قَالَ فَخَرَجَ شِيصًا فَمَرَّ بِهِمْ فَقَالَ : مَا لِنَخْلِكُمْ ، قَالُوا : قُلْتَ كَذَا وَكَذَا قَالَ :  أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأَمْرِ دُنْيَاكُم   “.
والشيص : البسر الرديء ، الذي إذا يبس صار حشفا .
فقد أخبر صلى الله عليه وسلم أنه قال ذلك ظنا ، فخرج بهذا عن أن يكون تشريعا .

وما لم يخبر فيه بذلك: فالأصل فيه التشريع، ووجوب الائتساء به صلى الله عليه وسلم، والوقوف عند حده فيه.
وأما أفعاله صلى الله عليه وسلم فقد تصدر منه على وجه التشريع ، وقد تكون من أفعال الجبلة والعادة التي هي مقتضى البشرية ، كالأكل والشرب والقيام والقعود ، وقد يكون الفعل خاصا به صلى الله عليه وسلم .

والله أعلم.

ذات صلة
الأثر الواضح على الجزيرة العربية قبل وبعد الإسلام
أريد أن أعرف عن أثر دعوة الرسول (صلى الله عليه وسلم) على شبه الجزيرة العربية؟
المزيد »
فضل تربية البنات والإحسان إليهن
أنا رجل أخاف الله والحمد لله، أحدد النسل رزقت ببنتين وحمدت ربنا على ذلك، ثم رزقني الله ببنت ثالثة مع...
المزيد »
تأديب العم ابن أخيه مشروع
إذا اعتدى عمُّ على ولد ليس ابنه، بل هو ولد أخيه، وعمره 13 سنة، وتضارب معه، والولد لا حول له ولا قوة إلا...
المزيد »
التأثير السلبي لمشاكل الزوجين على الأبناء
بارك الله فيكم، سؤالي حول المشاكل المستمرة بين والدي ومنذ مدة طويلة جدا بحيث تولد الكره بينهما واستمرار...
المزيد »
غربة المسلم..الحب.. الفراغ.. الحيرة.. مشكلات لها حلول
لن اطيل المقدمات في غمرة مشاغل ولهوات هذه الحياة نحن جيل الشباب نجد بعض الصعوية في الثبات على الصحيح...
المزيد »
علاج كثرة كلام المراهقات في التليفون
مشكلتي أن لدي ابنة تبلغ من العمر 14لكنها تنشغل بالهاتف أكثر عن اللازم ...إنني على يقين بأنها لا تعمل...
المزيد »
الحل المثالي للمشاكل والعقبات
أنا أعاني من ضيق نفسي بسبب إحساسي بكره عائلتي لي، أنا حاولت بكل الطرق لإرضائهم لكن فشلت، هم ينظرون لي...
المزيد »
العاقل يتخذ من الخطأ سلما للنجاح
أنا مشكلتي أنني لا أثق بالآخرين وتوسعت هذه المشكلة حتى أصبحت لا أثق بنفسي ، لا أثق أني سأنجح في الدراسه...
المزيد »
واجبات الزوجين لبناء الأسرة الإسلامية السعيدة
في غالب الأحيان عندما أقرأ عن دور الزوجين، أجد إخوتنا المسلمين يحملون المرأة سبب نجاح أو فشل الأسرة،...
المزيد »
التربية الجنسية للأولاد
ابني عمره خمس سنوات، وقد بدأ يسألني بعض الأسئلة حول أعضائه التناسلية مثل: ما هي؟ وما فائدتها؟ وأسئلة...
المزيد »
وضوء الأم وصلاتها وهي حائض لتعليم الأولاد
لي طفلان 4 سنوات و2.5 سنة أحاول أن أجعلهم يعتادون علينا (أمهم وأنا) نصلي، فهل يجوز لزوجتي وهي حائض ادعاء...
المزيد »
تربية الأولاد أمر مشترك بين الزوجين
هل يجوز إنجاب الأطفال لآباء مهملين في الرعاية، وعدم تربيتهم التربية الإسلامية؟
المزيد »
الطفل يتبع خير الأبوين دينا
أنا رجل مسلم والحمد لله, وتزوجت بامرأة كانت على الدين المسيحي وقبل الزواج أسلمت وأنجبت منها طفلة, ولكن...
المزيد »
كيفية الرد على أسئلة الأطفال حول وجود الله تعالى ورؤيته
كيف نرد على الولد الذي يسأل عن وجود الله تعالى وزمان وجوده وإلخ... من الأسئلة المحرجة؟
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك