اعتمرت ثم أصابتني جنابة، فذهبت إلى الحرم، وأديت عمرة ثانية دون أن أغتسل

شيخنا الفاضل: قدمت إلى مكة المكرمة لأداء العمرة، وبعد الانتهاء من أداء العمرة عدت إلى السكن، فأصابتني جنابة، وفي اليوم الثاني ذهبت إلى الحرم، وأديت عمرة ثانية دون أن أغتسل من الجنابة حياءً وخجلاً...

اعتمرت ثم أصابتني جنابة، فذهبت إلى الحرم، وأديت عمرة ثانية دون أن أغتسل

س
شيخنا الفاضل: قدمت إلى مكة المكرمة لأداء العمرة، وبعد الانتهاء من أداء العمرة عدت إلى السكن، فأصابتني جنابة، وفي اليوم الثاني ذهبت إلى الحرم، وأديت عمرة ثانية دون أن أغتسل من الجنابة حياءً وخجلاً من زملائي في السكن، والآن أشعر بالذنب لما فعلت، فماذا عليّ الآن؟ أفيدونا مأجورين- جزاكم الله خيرًا -.
جــــ

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فنقول ابتداء: إن التحلل من العمرة يحصل بالحلق أو التقصير بعد الطواف والسعي، فإن كنت قد تحللت من العمرة الأولى كما يُفهم من قولك: بعد الانتهاء من العمرة ـ فإن العمرة الثانية تحتاج إلى إحرام جديد، فإن اعتمرت من غير أن تحرم لها فإنك لم تعتمر حقيقة؛ لأن الإحرام ركن في العمرة لا تصح العمرة بدونه، كمن دخل في الصلاة ولم يكبر، فإنه لم يصل، إلا أنك أخطأت بدخولك الحرم وأنت جنب؛ لأن الجنب ممنوع من دخول المسجد، وقد ذكرنا أقوال الفقهاء حول هذا في الفتوى رقم: 22059.

وإن كنت قد أحرمت لها، فإحرام الجنب صحيح، كما بيناه في الفتوى رقم: 115788.

ولكن طوافك لا يصح؛ لأن من شرط صحة الطواف الطهارة من الحدث الأكبر والأصغر في قول جمهور أهل العلم، جاء في الموسوعة الفقهية: لاَ يَصِحُّ الطَّوَافُ مِمَّنْ كَانَ جُنُبًا، وَهَذَا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَالشَّافِعِيَّةِ، وَالْحَنَابِلَةِ، أَمَّا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: فَإِنَّ طَوَافَ الْجُنُبِ صَحِيحٌ، وَلَكِنْ عَلَيْهِ بَدَنَةٌ؛ لإِنَّ الطَّهَارَةَ فِي الطَّوَافِ عِنْدَهُمْ لَيْسَتْ شَرْطًا، وَإِنَّمَا هِيَ وَاجِبَةٌ… اهـ.

وما ذكر عن الحنفية من وجوب البدنة لمن طاف جنبًا إنما هو في طواف الحج.

وأما من طاف للعمرة وهو جنب، فإنه تجب عندهم عليه شاة، قال ابن نجيم في البحر الرائق: لَوْ طَافَ لِلْعُمْرَةِ كُلَّهُ، أَوْ أَكْثَرَهُ، أَوْ أَقَلَّهُ، لَوْ شَوْطًا جُنُبًا، أَوْ حَائِضًا، أَوْ نُفَسَاءَ، أَوْ مُحْدِثًا فَعَلَيْهِ شَاةٌ، لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ الْكَثِيرِ وَالْقَلِيلِ، وَالْجُنُبِ وَالْمُحْدِثِ؛ لِأَنَّهُ لَا مَدْخَلَ فِي طَوَافِ الْعُمْرَةِ لِلْبَدَنَةِ. اهـ.

فعلى قول الجمهور، فإنك إذا لم تعد الطواف بعد الطهارة فأنت لم تزل على إحرامك، فيجبُ عليك أن تكف عما يكفُ عنه المحرم، وتذهب إلى مكة ـ إن كنت خرجت منها ـ فتطوف طواف العمرة, وتسعى بين الصفا والمروة أيضًا؛ لأن سعيك الأول لم يصح؛ إذ لا يكون السعي إلا بعد طواف صحيح، ثم تتحلل من عمرتك بالحلق أو التقصير، فإذا عجزت عن إتيان مكة فحكمك حكم المحصر تذبح دمًا، وتتحلل من نُسكك؛ لقوله تعالى: فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ {البقرة 196}.

كما تلزمك التوبة إلى الله تعالى بالندم على ما فعلت، والعزم على عدم العودة إليه، والله تعالى أحق أن تستحي منه ممن معك.

وإذا كنت أحرمت بالعمرة الثانية من مكة، ولم تخرج إلى الحل فقد تركت واجبًا وهو الإحرام من الحل، فيلزمك دم، قال ابن قدامة في المغني: وَإِنْ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ مِنْ الْحَرَمِ، انْعَقَدَ إحْرَامُهُ بِهَا، وَعَلَيْهِ دَمٌ؛ لِتَرْكِهِ الْإِحْرَامَ مِنْ الْمِيقَاتِ، ثُمَّ إنْ خَرَجَ إلَى الْحِلِّ قَبْلَ الطَّوَافِ، ثُمَّ عَادَ، أَجْزَأَهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ جَمَعَ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ، وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ حَتَّى قَضَى عُمْرَتَهُ، صَحَّ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَتَى بِأَرْكَانِهَا، وَإِنَّمَا أَخَلَّ بِالْإِحْرَامِ مِنْ مِيقَاتِهَا، وَقَدْ جَبَرَهُ، فَأَشْبَهَ مَنْ أَحْرَمَ مِنْ دُونِ الْمِيقَاتِ بِالْحَجِّ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ، وَالْقَوْلُ الثَّانِي، لَا تَصِحُّ عُمْرَتُهُ؛ لِأَنَّهُ نُسُكٌ، فَكَانَ مِنْ شَرْطِهِ الْجَمْعُ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ، كَالْحَجِّ، فَعَلَى هَذَا وُجُودُ هَذَا الطَّوَافِ كَعَدَمِهِ، وَهُوَ بَاقٍ عَلَى إحْرَامِهِ حَتَّى يَخْرُجَ إلَى الْحِلِّ، ثُمَّ يَطُوفَ بَعْدَ ذَلِكَ وَيَسْعَى. اهـ.

ثم قولك: وأصابتني جنابة، وفي اليوم الثاني ذهبت إلى الحرم، وأديت عمرة ثانية من دون أن أغتسل من الجنابة… هو مشعر بأنك قد صليت بعض الصلوات وأنت جنب، أو أنك لم تصلها أصلًا، وإذا كان الأمر كذلك، فإنك به مخطئ خطأ كبيرًا، ويلزمك أن تقضي كل تلك الصلوات التي صليتها وأنت جنب، ولا تبرأ ذمتك إلا بقضائها، وتجب عليك التوبة إلى الله تعالى من جميع ما اقترفته من الذنوب، وانظر الفتوى رقم: 128707، عن حكم من صلى بغير طهارة متعمدًا, والفتويين رقم: 77548، ورقم: 181829، وكلاهما عن صلاة الجنب وما يترتب عليها.

والله أعلم.

ذات صلة
الأثر الواضح على الجزيرة العربية قبل وبعد الإسلام
أريد أن أعرف عن أثر دعوة الرسول (صلى الله عليه وسلم) على شبه الجزيرة العربية؟
المزيد »
فضل تربية البنات والإحسان إليهن
أنا رجل أخاف الله والحمد لله، أحدد النسل رزقت ببنتين وحمدت ربنا على ذلك، ثم رزقني الله ببنت ثالثة مع...
المزيد »
تأديب العم ابن أخيه مشروع
إذا اعتدى عمُّ على ولد ليس ابنه، بل هو ولد أخيه، وعمره 13 سنة، وتضارب معه، والولد لا حول له ولا قوة إلا...
المزيد »
التأثير السلبي لمشاكل الزوجين على الأبناء
بارك الله فيكم، سؤالي حول المشاكل المستمرة بين والدي ومنذ مدة طويلة جدا بحيث تولد الكره بينهما واستمرار...
المزيد »
غربة المسلم..الحب.. الفراغ.. الحيرة.. مشكلات لها حلول
لن اطيل المقدمات في غمرة مشاغل ولهوات هذه الحياة نحن جيل الشباب نجد بعض الصعوية في الثبات على الصحيح...
المزيد »
علاج كثرة كلام المراهقات في التليفون
مشكلتي أن لدي ابنة تبلغ من العمر 14لكنها تنشغل بالهاتف أكثر عن اللازم ...إنني على يقين بأنها لا تعمل...
المزيد »
الحل المثالي للمشاكل والعقبات
أنا أعاني من ضيق نفسي بسبب إحساسي بكره عائلتي لي، أنا حاولت بكل الطرق لإرضائهم لكن فشلت، هم ينظرون لي...
المزيد »
العاقل يتخذ من الخطأ سلما للنجاح
أنا مشكلتي أنني لا أثق بالآخرين وتوسعت هذه المشكلة حتى أصبحت لا أثق بنفسي ، لا أثق أني سأنجح في الدراسه...
المزيد »
واجبات الزوجين لبناء الأسرة الإسلامية السعيدة
في غالب الأحيان عندما أقرأ عن دور الزوجين، أجد إخوتنا المسلمين يحملون المرأة سبب نجاح أو فشل الأسرة،...
المزيد »
التربية الجنسية للأولاد
ابني عمره خمس سنوات، وقد بدأ يسألني بعض الأسئلة حول أعضائه التناسلية مثل: ما هي؟ وما فائدتها؟ وأسئلة...
المزيد »
وضوء الأم وصلاتها وهي حائض لتعليم الأولاد
لي طفلان 4 سنوات و2.5 سنة أحاول أن أجعلهم يعتادون علينا (أمهم وأنا) نصلي، فهل يجوز لزوجتي وهي حائض ادعاء...
المزيد »
تربية الأولاد أمر مشترك بين الزوجين
هل يجوز إنجاب الأطفال لآباء مهملين في الرعاية، وعدم تربيتهم التربية الإسلامية؟
المزيد »
الطفل يتبع خير الأبوين دينا
أنا رجل مسلم والحمد لله, وتزوجت بامرأة كانت على الدين المسيحي وقبل الزواج أسلمت وأنجبت منها طفلة, ولكن...
المزيد »
كيفية الرد على أسئلة الأطفال حول وجود الله تعالى ورؤيته
كيف نرد على الولد الذي يسأل عن وجود الله تعالى وزمان وجوده وإلخ... من الأسئلة المحرجة؟
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك